الأربعاء 22 يوليو 2026 الموافق 08 صفر 1448
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

«كورس لتعليم الشباب فن التعدد».. عالم أزهري: تحويل الأحكام الشرعية إلى سلعة مدفوعة "تضليل"

الأربعاء 22/يوليو/2026 - 04:56 م
 الدكتور أسامة قابيل
الدكتور أسامة قابيل

في وقت تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتسويق كل شيء، امتد الأمر إلى الأحكام الشرعية، بعدما أثار شاب جدلًا واسعًا بإعلانه عن «كورس للتعدد» مقابل 400 جنيه، زاعمًا أنه يعلم الشباب كيفية الزواج بأكثر من امرأة والحفاظ على أكثر من بيت، مستندًا إلى تجربته الشخصية، وبينما انشغل كثيرون بالجدل حول التعدد نفسه، تبرز زاوية أخرى أقل تناولًا، وهي: هل يجوز أصلًا تحويل حكم شرعي شديد الحساسية إلى منتج تجاري يُسوق ويُباع؟

التعدد في الإسلام

وفي هذا السياق، قال الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، إن التعدد في الإسلام ليس «بابًا مفتوحًا» ولا مهارة تُباع وتُشترى، بل هو رخصة شرعية مقيدة بضوابط صارمة، موضحًا أن القرآن الكريم جمع بين الإباحة والقيد في آية واحدة، حين قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم… فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وهو ترتيب مقصود يجعل العدل شرطًا سابقًا، لا نتيجة لاحقة يمكن اكتسابها عبر دورة تدريبية أو تجربة شخصية.

وأضاف العالم الأزهري في تصريحات خاصة لـ«مصر تايمز»، أن الفقهاء قرروا أن التعدد لا يحمل حكمًا واحدًا، بل تدخله الأحكام الشرعية الخمسة، فقد يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا، بل وقد يصل إلى التحريم إذا غلب على الظن عدم القدرة على تحقيق العدل أو وقوع الضرر، مؤكدًا أن هذا وحده يكفي لإسقاط فكرة تقديم التعدد باعتباره «منتجًا» مضمون النتائج.

وأشار إلى أن السنة النبوية شددت على خطورة الأمر، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل»، مؤكدًا أن هذا النص يحول التعدد من فرصة إلى مسؤولية ثقيلة يحاسب عليها الإنسان، وليس تجربة يمكن الترويج لها أو تسويقها.

وأوضح قابيل أن تشجيع الشباب على التعدد دون الحديث عن شروطه وضوابطه يمثل تضليلًا صريحًا، لأن القرآن لم يطرح الحكم منفصلًا عن قيده، بل ربطه مباشرة بالعدل، لافتًا إلى أن إغفال هذا الشرط يخالف منهج القرآن نفسه في بيان الأحكام.

وأضاف أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة»، والنصيحة لا تكون بدفع الناس إلى قرارات مصيرية عبر خطاب حماسي أو وعود براقة، وإنما ببيان الحكم كاملًا بما له وما عليه، مشيرًا إلى أن تقديم التعدد باعتباره طريقًا مضمونًا للاستقرار الأسري يتجاهل ما أثبتته الوقائع من انهيار كثير من البيوت بسبب سوء تطبيقه.

وأكد عالم الأزهر أن أخذ الأجر على التعليم في ذاته جائز شرعًا، لكن ما يُطرح عبر هذه الدورات لا يندرج تحت التعليم المنضبط، وإنما يدخل في إطار تسليع حكم شرعي وتحويله إلى منتج تجاري قائم على الدعاية والوعود، موضحًا أن العبارات التي توحي بإمكانية النجاح المؤكد في التعدد أو الحفاظ على أكثر من أسرة مقابل رسوم مالية تحمل قدرًا كبيرًا من التضليل.

وأضاف أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، متسائلًا: كيف يتحول أمر بهذه الخطورة إلى مادة تسويقية تُباع للجمهور؟.

وشدد قابيل على أن الاستناد إلى التجربة الشخصية وحدها لتقديم استشارات شرعية أمر غير مقبول، مؤكدًا أن القول: «أنا مُعدد إذًا أستطيع أن أُرشد الناس» يمثل خلطًا بين التجربة والعلم، بل يدخل في باب القول على الله بغير علم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وأضاف أن الاستشارات الشرعية لا تُبنى على تجارب الأفراد، لأن لكل أسرة ظروفها الخاصة، وما يصلح لبيت قد يكون سببًا في هدم بيت آخر، ولذلك كان الصحابة يرجعون إلى أهل العلم لا إلى أصحاب التجارب الشخصية.

واختتم قابيل تصريحاته، مؤكدًا على أن تحويل الأحكام الشرعية إلى محتوى ربحي أو «كورسات» مدفوعة يمثل خطرًا على الوعي الديني والأسري، لأن الدين لا يُختزل في تجارب شخصية ولا يُقدَّم في صورة وصفات جاهزة، وإنما يقوم على العلم والفقه وإدراك مقاصد الشريعة في حفظ الأسرة واستقرار المجتمع.