«راجع من المنفى الترفيهية».. كواليس عودة يوسف بطرس غالي «شبح اقتصاد مبارك» للأضواء
ارتبط اسم يوسف بطرس غالي على مدى أكثر من عقد من الزمان، بصورة ذهنية صارخة لحقبة سياسية أطاحت بها الثورة، فقد كان ذلك التكنوقراطي اللامع، الحاصل على تعليم غربي، والذي أعاد تشكيل المشهد المالي في مصر، قبل أن يلوذ بالفرار تحت جنح الظلام بينما كانت الملايين تتدفق إلى الشوارع في يناير 2011.
يوسف بطرس غالي
وبالنسبة للكثيرين، أصبح يوسف بطرس غالي الرمز الأبرز للتفاوت الاقتصادي الذي أشعل فتيل الثورة.
ومع ذلك، عاد وزير المالية الأسبق اليوم ليظهر مجدداً في المشهد الاقتصادي المصري، بل والإعلامي أيضا في حلقة تابعها الملايين مؤخرا خاطفاً الأنظار ومُشْعِلاً نقاشات عامة حادة، وطارحاً تساؤلات جوهرية حول المساءلة، ونفوذ الشركات، وإرث النظام القديم.
هروب درامي: من وزارة المالية بالقاهرة إلى المنفى في لندن
بينما كانت الأرض تميد تحت أقدام نظام مبارك في مطلع عام 2011، بلغ الغضب الشعبي -الناجم عن الركود الاقتصادي وما اعتُبر فساداً مستشرياً- ذروته.
وفي خضم هذه الموجة المتصاعدة، اتخذ بطرس غالي قراراً حاسماً لا يزال منتقدوه يصفونه بأنه خيانة للثقة العامة، فعندما حاول رئيس الوزراء أحمد شفيق تشكيل حكومة إنقاذ انتقالية لتحقيق الاستقرار في البلاد، رفض بطرس غالي المشاركة رفضاً قاطعاً، مقدماً سلامته الشخصية وبقاءه على المصلحة الوطنية.
وبدلاً من مواجهة العواقب أو مساعدة البلاد في تجاوز أعمق أزماتها في العصر الحديث، غادر مصر تماماً متوجهاً إلى المملكة المتحدة.

طبيب مصري يطارد بطرس غالي في لندن
قبل سنوات، وفي أعقاب مغادرته المتعجلة لمصر إبان ثورة يناير 2011، رصد طبيب مصري يوسف بطرس غالي وطارده في أحد شوارع لندن، فقد لاحظ الدكتور محمد عبدالغني -وهو طبيب نفسي مصري مقيم في المملكة المتحدة وزير المالية الأسبق الهارب حينها وهو يسير بهدوء في حي "نايتسبريدج" الراقي المخصص للتسوق.
واستشاط الطبيب غضباً لرؤية مهندس النظام الاقتصادي المصري في عهد ما قبل الثورة وهو ينعم بحياة الرفاهية، بينما كانت بلاده تعاني وطأة أزمة مالية طاحنة؛ فأوقف سيارته، واعترض طريق بطرس غالي، وشرع في تصوير المواجهة بهاتفه.
واصل الطبيب ملاحقة الوزير الأسبق -الذي بدا عليه الارتباك الشديد عبر عدة شوارع، وهو يصرخ قائلاً: "عُد إلى مصر! أنت لص، وهناك حكم بالسجن بانتظارك"، وذلك في محاولة منه لإجراء "اعتقال مدني" بمساعدة شرطة "سكوتلاند يارد".
سرعان ما انتشرت اللقطات الدرامية لتلك المطاردة في الشارع على نطاق واسع عبر الإنترنت، لتشكل تجسيداً علنياً قوياً لحالة الغضب الشعبي العارم والرغبة في المحاسبة التي أعقبت انتفاضة عام 2011.
ملاحقة قضائية وسخرية من إدارته لوزارة المالية
ترك رحيله البلاد في حالة من الاضطراب المالي وأدى إلى ملاحقة قضائية فورية؛ إذ واجه في القاهرة اتهامات جنائية خطيرة.
أما الرأي العام المصري، الذي شعر بإهانة بالغة جراء اختفائه المفاجئ، فقد لجأ إلى السخرية السياسية للتعبير عن استيائه؛ حيث اشتهر الكوميديان محمود عزب بتقليد شخصية بطرس غالي على شاشة التلفزيون، ساخراً منه بلا هوادة باعتباره هارباً يفر من الملاحقة القضائية والغضب الشعبي على حد سواء.
ورغم أن محاكاة عزب الساخرة أثارت الضحك، إلا أن الواقع القانوني كان قاتماً؛ فقد صدرت بحق بطرس غالي أحكام غيابية بالسجن لفترات طويلة، مما رسخ مكانته كشخصية بارزة في حقبة سياسية قاتمة من تاريخ مصر.

فضيحة التأمينات الاجتماعية والإرث المالي "المظلم"
تتمحور الانتقادات الموجهة ضد بطرس غالي حول إدارته لخزينة الدولة، لا سيما الطريقة المثيرة للجدل التي تعامل بها مع صناديق المعاشات العامة.
ووفقاً للخبير الاقتصادي البارز خالد الشافعي، - الذي تحدثت معه “مصر تايمز” لم ينفِ بطرس غالي قط سحب مبالغ ضخمة من أموال التأمينات الاجتماعية؛ بل كان يدافع باستمرار عن تصرفاته بدعوى أنه استثمر هذه الأموال بناءً على "توجيهات سيادية" عليا.
غير أن هذا الدفاع واجه اعتراضات قوية من شخصيات مثل وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة ميرفت التلاوي، التي واجهته مباشرةً مؤكدةً أنه استولى على أموال المعاشات دون أن يحقق أي عوائد ملموسة للدولة أو للمواطنين.
أين ذهب أموال التأمينات؟
ويحذر الشافعي في تصريحاته الخاصة بشدة من أن السؤال الجوهري الذي لا يزال بلا إجابة حتى يومنا هذا هو: أين ذهبت أموال التأمينات الاجتماعية بالضبط؟ داعياً الهيئات الرقابية إلى إجراء تحقيق معمق في هذا الشأن.
ومن منظور مالي بحت، كانت سوء الإدارة والإخفاقات الهيكلية في وزارة المالية إبان فترة توليه المنصب من المحركات المباشرة لثورة 25 يناير؛ إذ واجهت الوزارة تحت قيادته اتهامات شعبية بفشل ذريع، ففي حين كانت المؤشرات الاقتصادية الكلية ترضي المقرضين الدوليين أحياناً، كان المواطنون العاديون يرزحون تحت وطأة ضغوط اقتصادية خانقة، بحسب الشافعي.
ويشير الشافعي إلى أن سوء الإدارة هذا ولّد حالة من الغضب الشعبي العارم، استغلتها لاحقاً شخصيات مختلفة -مثل أيمن نور ومصطفى بكري- على حساب أحلام وتطلعات الشباب المصري.

البراءة القانونية: مسار نحو إسقاط الإدانات
رغم ردود الفعل السياسية الغاضبة، شهد المشهد القضائي تحولاً جذرياً خلال العقد التالي. فمن مقره الآمن في لندن، أطلق بطرس غالي استراتيجية دفاع قانوني مدروسة عبر محاميه في القاهرة، مستفيداً من ثغرات قانونية هيكلية وناجحاً في الطعن على أحكام الإدانة السابقة الصادرة بحقه.
وهكذا، أُلغيت تباعاً وبشكل منهجي أحكام الإدانة في قضايا الفساد البارزة—التي تراوحت بين الاستيلاء على سيارات فاخرة صادرتها الجمارك وإهدار المال العام—وذلك خلال إجراءات إعادة المحاكمة.
ومن خلال مراجعات قضائية متتالية، أصدرت المحاكم المصرية أحكاماً ببراءته تماماً في قضايا الفساد الكبرى.
ومهدت هذه العملية القانونية الممنهجة لتبرئة ساحته الطريق أمام عودته الهادئة ودون عوائق إلى مصر.
ورغم أن التسويات القانونية قد محت وضعه الجنائي من الناحية الرسمية، إلا أنها لم تفلح كثيراً في تبرئة ساحته أمام الرأي العام؛ إذ لا يزال كثيرون ينظرون إلى الاستراتيجيات المالية التي سادت في عهده باعتبارها سبباً رئيسياً في التصدعات الاقتصادية التاريخية التي عانت منها البلاد.
العودة إلى المشهد المؤسسي: الارتباط بمجموعة طلعت مصطفى
بعد طي صفحة سجله القانوني، لم يكتفِ بطرس غالي بالتقاعد الهادئ؛ بل عاد بقوة إلى القطاع الخاص، متولياً دوراً استشارياً رفيع المستوى في "مجموعة طلعت مصطفى" (TMG) - إحدى أكبر المجموعات العقارية والتجارية في الشرق الأوسط، والتي يرأسها رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى.
وأثارت عودته إلى أروقة صنع القرار في الشركات موجة من الدهشة والتشكيك العام بشأن حجم تأثيره الحالي في المشهد الاقتصادي المصري المعاصر.
في معرض تعليقه على هذه الشراكة المؤسسية، أشار خالد الشافعي إلى أن مجموعة طلعت مصطفى كيان خاص يتمتع باستقلالية تامة في اتخاذ قرارات التوظيف الخاصة به.
وأوضح الشافعي قائلاً: "هشام طلعت مصطفى هو من يوقع شيك راتبه، ولا توجد سلطة خارجية يمكنها قانوناً فرض خيارات معينة على شركة خاصة".
ومع ذلك، أبدى الشافعي اعتراضاً شديداً على هذا التوجه، مؤكداً أن الكيانات التجارية الكبرى ينبغي أن تتجنب الاستعانة بمسؤولين سابقين من حقبة ما قبل عام 2011 لإدارة عملياتها أو تيسير أعمالها.
ولفت إلى أنه في حين تعمدت العديد من الشركات الكبرى تجنب تعيين وزراء سابقين حفاظاً على صورتها العامة، اختارت مجموعة طلعت مصطفى مساراً مختلفاً ينبع من رؤيتها المؤسسية الخاصة.
مقابلة لميس الحديدي والتساؤلات المطروحة
كسر بطرس غالي صمته الإعلامي الذي دام سنوات من خلال ظهور تلفزيوني مرتقب بشدة في البرنامج الذي تقدمه الإعلامية البارزة لميس الحديدي.
وسعى خلال المقابلة إلى إعادة صياغة روايته التاريخية بقوة، مصوراً نفسه كمصلح أسيء فهمه، اتخذ قرارات صعبة وضرورية لضمان سلامة الاقتصاد المصري على المدى الطويل.
كما حاول النأي بنفسه عن الفساد السياسي الذي شاب أواخر عهد مبارك، واصفاً قراراته بأنها كانت فنية وهيكلية بحتة وليست نابعة عن سوء نية، رافضاً في الوقت ذاته الاعتراف بأي إخفاق شخصي فيما يتعلق بالمعاناة الاقتصادية التي تكبدها المواطنون.
يوسف بطرس غالي" كجوك استقبلني
ولعل أبرز ما كشفه الدكتور يوسف بطرس غالي، هو إعلانه بأنه حينما عاد إلى مصر في أوائل عام 2025، وتحديدًا خلال شهر فبراير، مشيرًا إلى أن أول مفاجأة واجهته فور وصوله إلى مطار القاهرة كانت وجود الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، في استقباله.
مشهد يثير حيرة بالغة
واختتم الخبير الاقتصادي خالد الشافعي حديثه مع "مصر تايمز" قائلا: عودة بطرس غالي إلى دائرة الضوء تضع مصر أمام مشهد يثير حيرة وتساؤلات تغيب عنها الاجابات فبينما يمارس عمله في المستويات العليا للقطاع الخاص، يظل المواطنون والمحللون على حد سواء يتساءلون: هل يقتصر دوره الحالي على الجوانب التحليلية والاستشارات المؤسسية فحسب، أم أن هناك مهاماً أوسع نطاقاً وغير معلنة قد أُسندت إليه خلف الكواليس؟ في حين أن سجله القانوني نظيف وراتبه من العمل في الشركات مضمون، فإن قضية ملايين المعاشات التقاعدية المفقودة تضمن بقاء يوسف بطرس غالي واحداً من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في تاريخ مصر الحديث".





