«توفر المليارات سنويا».. تكنولوجيا فائقة تمتلكها مصر والسعودية تحول البحر إلى مياه شرب
رغم من أن المحيطات تغطي أكثر من 70% من سطح الأرض، إلا أن ما يقرب من 96.5% من مياه الكوكب مالحة وغير صالحة للاستهلاك البشري المباشر أو الزراعة أو معظم الأنشطة الصناعية، ومع تزايد الضغوط على موارد المياه العذبة بسبب تغير المناخ والنمو السكاني وموجات الجفاف الطويلة، برزت تقنية تحلية مياه البحر كواحدة من أكثر الوسائل فعالية لضمان إمدادات مياه مستدامة.
واليوم، تعتمد عشرات الدول على محطات التحلية لتوفير مياه شرب آمنة لملايين الأشخاص بشكل يومي.
عملية التحلية
تبدأ عملية التحلية بسحب مياه البحر عبر منشآت سحب ضخمة تقع في عرض البحر أو عبر آبار ساحلية؛ وقد صُممت هذه المنشآت لتوفير تدفق مستمر لمياه البحر الخام مع تقليل التأثيرات السلبية على الحياة البحرية إلى أدنى حد ممكن.
وبمجرد دخول المياه إلى المنشأة، تمر عبر مصافٍ معدنية كبيرة تعمل على إزالة الأعشاب البحرية والأصداف والصخور والمواد البلاستيكية وغيرها من الشوائب التي قد تلحق الضرر بمعدات المعالجة.
وعقب مرحلة التصفية الأولية، تخضع مياه البحر لعملية معالجة أولية شاملة؛ حيث تتدفق عبر مرشحات رملية ومرشحات دقيقة (خراطيش ترشيح) وأنظمة معالجة كيميائية تزيل المواد الصلبة العالقة والطحالب والبكتيريا والمواد العضوية والجزيئات المجهرية. وتُعد هذه المرحلة جوهرية لأنها تحمي الأغشية الحساسة المستخدمة في عملية التحلية وتضمن كفاءة تشغيل النظام.
بعد ذلك، تُضخ مياه البحر المعالجة تحت ضغط عالٍ للغاية—يتراوح عادةً بين 55 و80 بار—نحو أغشية التناضح العكسي. وتسمح هذه الأغشية شبه المنفذة بمرور جزيئات الماء فقط، بينما تحجز الأملاح الذائبة والمعادن الثقيلة والبكتيريا والفيروسات وغيرها من الملوثات. ونتيجة لذلك، تنتج العملية تيارين منفصلين: مياه عذبة نقية ومحلول ملحي عالي التركيز يُعرف باسم "المحلول الملحي المركز" (أو "البرين" - Brine).
ونظراً لأن عملية التناضح العكسي تزيل جميع المعادن الطبيعية تقريباً، يجب أن تخضع المياه العذبة لمرحلة معالجة نهائية لضبط خصائصها؛ فخلال مرحلة إعادة المعادن، تُضاف المعادن المفيدة—مثل الكالسيوم والمغنيسيوم—إلى المياه، ويتم تعديل درجة الحموضة (pH) وتعقيم المياه قبل ضخها في شبكات توزيع المياه البلدية لاستخدامها في الأغراض المنزلية والزراعية والصناعية.
الدول الرائدة في تقنيات تحلية المياه
تُعد المملكة العربية السعودية أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، حيث تمتلك منشآت ضخمة على امتداد ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي توفر معظم احتياجات البلاد من مياه الشرب. وتواصل المملكة استثماراتها المكثفة في تقنيات التناضح العكسي المتطورة لتعزيز الأمن المائي على المدى الطويل.
كما تعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل كبير على تحلية المياه لتلبية الطلب المحلي والصناعي؛ إذ توفر المحطات الكبرى في أبوظبي ودبي المياه العذبة لملايين السكان وتدعم التنمية الاقتصادية، وذلك على الرغم من محدودية الموارد المائية العذبة الطبيعية في البلاد بشكل كبير.
وبرزت إسرائيل كواحدة من الدول الرائدة عالمياً في ابتكار تقنيات تحلية المياه؛ حيث توفر محطات التناضح العكسي الرئيسية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط غالبية احتياجات البلاد من مياه الشرب، وتتكامل هذه المحطات مع أنظمة متطورة لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي لضمان أقصى درجات الكفاءة في استخدام المياه.
وتدير إسبانيا العديد من منشآت تحلية المياه على طول ساحلها المتوسطي وفي أقاليمها الجزرية، مما يساعد في مواجهة موجات الجفاف المتكررة ودعم قطاعات السياحة والزراعة وتلبية احتياجات المناطق الحضرية من المياه. وبالمثل، عملت أستراليا على توسيع قدراتها في مجال تحلية المياه عقب فترات جفاف حادة، حيث تخدم المحطات الكبرى مدناً رئيسية تشمل سيدني وملبورن وبيرث وأديلايد.
أما في الولايات المتحدة، فتتركز مشاريع تحلية المياه بشكل أساسي في ولايات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا، حيث أدى النمو السكاني ونقص المياه المتكرر إلى تزايد الاهتمام بمصادر المياه البديلة. كما جعلت سنغافورة من تحلية المياه ركيزة أساسية لاستراتيجيتها الوطنية للمياه، حيث تدمجها مع المياه المعاد تدويرها والإمدادات المستوردة لتعزيز مرونة واستدامة الموارد المائية على المدى الطويل.
تنامي الاستثمارات المصرية في مجال تحلية المياه
تبنت مصر بشكل متزايد تقنيات تحلية المياه كجزء من استراتيجيتها الوطنية لمواجهة شح المياه ودعم التنمية المستدامة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة على موارد نهر النيل وتنامي الطلب من المدن الساحلية الآخذة في التوسع، استثمرت الحكومة بشكل كبير في البنية التحتية لتحلية المياه على طول سواحل البحرين المتوسط والأحمر.
وقد أُنشئت محطات ضخمة لتحلية المياه في مدن مثل العلمين، والعين السخنة، وشرق بورسعيد، والغردقة، ومرسى مطروح، بالإضافة إلى مواقع عدة في سيناء.
وتوفر هذه المنشآت مياه الشرب للمجمعات السكنية، والمشاريع السياحية، والمناطق الصناعية، والمشاريع العمرانية الجديدة.
كما تخطط مصر لتوسيع قدراتها في مجال التحلية بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، مما يجعلها ركيزة أساسية في استراتيجيتها طويلة الأمد للأمن المائي.
الفوائد والتحديات
توفر تحلية المياه مصدراً موثوقاً للمياه العذبة بمعزل عن معدلات هطول الأمطار أو تدفقات الأنهار، مما يجعلها ذات قيمة خاصة للدول التي تعاني من نقص مزمن في المياه. فهي تدعم التوسع العمراني، والتنمية الصناعية، والزراعة، والقدرة على التكيف مع التغير المناخي، فضلاً عن تخفيف الضغط على موارد المياه العذبة التقليدية.
ومع ذلك، تظل عملية تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة وتتطلب استثمارات مالية ضخمة. كما تتطلب عملية التخلص من المحلول الملحي المركز (الرجيع الملحي) إدارة دقيقة لحماية النظم البيئية البحرية. وللتغلب على هذه التحديات، تعمل العديد من الدول على دمج مصادر الطاقة المتجددة - مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح - في مشاريع التحلية، مما يساهم في خفض تكاليف التشغيل والحد من الآثار البيئية.
مع استمرار تزايد الطلب العالمي على المياه العذبة، تبرز تحلية المياه كحل متزايد الأهمية لضمان الأمن المائي على المدى الطويل. وقد أدت التطورات في تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis) إلى جعل العملية أكثر كفاءة وجدوى اقتصادية، مما مكن دولاً عديدة حول العالم من تحويل مياه البحر الوفيرة إلى مياه شرب آمنة.
ومع استمرار الاستثمار والابتكار التكنولوجي، من المتوقع أن تلعب تحلية المياه دوراً أكبر في معالجة واحدة من أكثر تحديات الموارد إلحاحاً في العالم.





