«جيل ألفا يفرض قواعده».. كيف يعيد البرلمان رسم علاقة الأطفال بالسوشيال ميديا؟
يواصل مجلس النواب ممثلًا في لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، جلسات الاستماع لإعداد مشروع قانون ينظم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس إدراكًا متأخرًا نسبيًا بحجم التحولات التي فرضها العالم الرقمي على سلوك النشء.
التحرك البرلماني يأتي في إطار توجه الدولة لحماية الأطفال، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت بيئة حياة يومية للأطفال.
«الموبايل كالأكل والشرب».. توصيف صادم لواقع جديد
أثارت تصريحات أميرة العادلي حالة من الجدل، بعدما وصفت استخدام الأطفال للهواتف المحمولة في عمر عامين بأنه أصبح مثل «الأكل والشرب».
هذا التصريح لا يعكس مبالغة بقدر ما يكشف عن تحول جذري في أنماط التنشئة، حيث بات الطفل يتعامل مع الشاشة قبل أن يتقن مهارات التواصل التقليدية، وهو ما يضع المشرع أمام تحدٍ غير مسبوق: كيف يمكن تنظيم سلوك أصبح جزءًا من الحياة اليومية؟
جيل ألفا.. خارج حسابات الكبار
تشير المناقشات إلى فجوة واضحة بين طريقة تفكير صانع القرار والواقع الفعلي لجيل الأطفال الحالي، فوفقًا للعادلي، لم يعد الأطفال يتجهون إلى المنصات التقليدية مثل «فيسبوك»، بل يتابعون صناع محتوى (بلوجرز) عبر منصات سريعة التغير، ما يعني أن أي تشريع تقليدي قد يصبح غير فعال قبل تطبيقه، هذا التحول يفرض على القانون أن يكون مرنًا وقابلًا للتحديث، بدلًا من الاعتماد على نماذج جامدة قد لا تصمد أمام سرعة التطور التكنولوجي.
المحتوى المستورد.. «دس السم في العسل»
من جانبها، حذرت سحر السنباطي من خطورة الاعتماد الكامل على المحتوى الأجنبي، مشيرة إلى أن بعض المواد الكرتونية والألعاب تحمل رسائل غير مناسبة للأطفال فيما يعرف بـ«دس السم في العسل».
هذا الطرح يفتح بابًا مهمًا في النقاش، لا يتعلق فقط بالحماية، بل بصناعة بديل محلي يعكس القيم والثقافة المصرية، وهو ما قد يتحول إلى أحد محاور القانون أو السياسات المصاحبة له.
من الحماية إلى «التمكين الرقمي»
وفي هذا الصدد كشف النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات بالنواب، عن تحول واضح في فلسفة التعامل مع ملف استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الاتجاه الحالي لا يقوم على فرض قيود صارمة يصعب تطبيقها، بل على تبني نهج «الإدارة الذكية للاستخدام».
وأوضح أن المقترحات المطروحة داخل اللجنة تستهدف تمكين الأطفال وأولياء الأمور من أدوات تحكم أكثر فاعلية، من خلال تطبيق نظام تصنيف عمري للمحتوى، وإنشاء وسيط حكومي مثل مصلحة الأحوال المدنية للتحقق من سن المستخدم دون المساس بخصوصية بياناته، إلى جانب تطوير أدوات رقابة أبوية متقدمة، وإطلاق أكواد تقنية قادرة على حجب المحتوى غير المناسب، بما يحقق التوازن بين الحماية وحرية الاستخدام.
التعليم خارج المعادلة.. أزمة تحتاج إصلاحًا
كما انتقدت المناقشات داخل لجنة الاتصالات تدريس مادة تكنولوجيا المعلومات بشكل نظري، دون تدريب عملي، ما يخلق فجوة بين الاستخدام اليومي للتكنولوجيا وفهمها الحقيقي، هذا الطرح قد يدفع المشرع إلى ربط القانون بسياسات تعليمية، مثل إدخال مهارات رقمية تطبيقية، أو حتى تضمين مفاهيم «الأمان الرقمي» في المناهج الدراسية.
توقعات شكل القانون.. بين الضبط والمرونة
تشير المناقشات داخل مجلس النواب المصري إلى أن مشروع القانون المرتقب لن يتجه إلى الحظر الكامل لاستخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، بل يسعى لوضع إطار مرن ينظم الاستخدام وفق الفئات العمرية المختلفة، ويرتكز التصور المطروح على توزيع المسؤولية بين الدولة والأسرة والمنصات الرقمية، بما يضمن حماية الأطفال دون تقييد غير مبرر لحقهم في التعلم والتواصل.
كما يتجه القانون إلى إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق سياسات أمان مخصصة للأطفال، بدلًا من الاكتفاء بدور «الوسيط المحايد»، مع الاعتماد على أدوات تقنية متقدمة مثل أنظمة التحقق العمري وأكواد حجب المحتوى غير المناسب، وفي الوقت ذاته، تبرز توجهات لدعم إنتاج محتوى رقمي محلي يعكس القيم والثقافة المصرية، بما يوفر بدائل آمنة وجاذبة للأطفال داخل الفضاء الرقمي
التحدي الحقيقي.. التطبيق لا التشريع
رغم أهمية القانون، يبقى التحدي الأكبر في تطبيقه، خاصة مع الطبيعة العابرة للحدود للمنصات الرقمية، وصعوبة فرض رقابة كاملة، كما أن نجاح القانون سيعتمد بشكل كبير على وعي الأسرة، وقدرتها على التفاعل مع الأدوات الجديدة، وليس فقط على النصوص القانونية.
نحو «طفل متوازن» في عالم رقمي مفتوح
في ظل الحديث عن مبادرات مثل «طفل متوازن»، يتضح أن الدولة تتجه نحو صياغة رؤية شاملة لا تقتصر على الحماية، بل تمتد إلى بناء جيل قادر على التعامل مع التكنولوجيا بوعي، وبين واقع سريع التغير وتشريع قيد الإعداد، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح القانون في مواكبة «جيل ألفا»، أم سيظل خطوة متأخرة في سباق التكنولوجيا؟





