السبت 11 يوليو 2026 الموافق 26 محرم 1448
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

بروح معاصرة ونبض أثري.. صانع مصري يغزل من النحاس حكايات لا تموت (خاص)

الجمعة 10/يوليو/2026 - 11:46 م
 محمود إبراهيم عطا
محمود إبراهيم عطا الله صانع الحُلي

لا ينظر محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي، إلى قطعة النحاس باعتبارها معدنًا يُشكَّل ويُباع، بل يراها كصفحة بيضاء  تنتظر أن تُروى عليها حكاية من تاريخ مصر، فكل خاتم أو قلادة أو قطعة فنية تخرج من ورشته تبدأ بفكرة، ثم رحلة بين المعابد والمتاحف والمساجد الأثرية، قبل أن تستقر في يديه لتتحول إلى عمل يحمل ملامح الحضارة المصرية بروح معاصرة.

 معرض «ديارنا»

ويروي محمود إبراهيم عطا الله، أحد العارضين في معرض «ديارنا»، قصته لـ «مصر تايمز»،  قائلًا إنه يعمل في تشكيل النحاس منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وهي المهنة التي أحبها منذ سنوات دراسته الجامعية، حتى أصبحت شغفه الحقيقي الذي كرس له حياته، مؤكدًا أن كل قطعة يصنعها تبدأ من خام النحاس النقي، لأنه يحرص على استخدام النحاس «البيور» بنسبة نقاء تصل إلى 99%، حتى يضمن جودة المنتج وسهولة تشكيله وطول عمره، بعيدًا عن النحاس المعاد تدويره الذي يحتوي على شوائب تؤثر في جودته.

 

وأضاف أن الجانب الأكثر متعة بالنسبة له لا يبدأ داخل الورشة، وإنما خارجها، حيث يبحث دائمًا عن مصدر جديد للإلهام، فهو يقرأ في كتب التاريخ، ويزور الأهرامات والمتحف المصري الكبير، ويتجول في الأقصر، ويتأمل تفاصيل الآثار الفرعونية، كما يقف طويلًا أمام المساجد التاريخية مثل مسجد السلطان حسن وقلعة صلاح الدين، ليقتبس من نقوشها وزخارفها وشبابيكها ومشكاواتها أفكارًا يحولها إلى تصميمات جديدة.

محمود إبراهيم عطا الله أحد العارضين في معرض «ديارنا»

وأوضح أن بعض أعماله مستوحاة من تفاصيل دقيقة في العمارة الإسلامية، مثل تصميم خاتم استلهمه من شكل المشكاة الموجودة داخل القلعة، بينما استوحى تصميمات أخرى من الزخارف الفرعونية والتماثيل التي صورها بنفسه خلال زياراته للأقصر، مؤكدًا أن التراث المصري بالنسبة له هو أكبر مدرسة للفن، وكل زيارة لموقع أثري تمنحه فكرة جديدة.

 

وأشار إلى أن رحلة التصميم تبدأ برسم الفكرة يدويًا، ثم يعمل على تطويرها بمساعدة أبنائه الذين يوظفون التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لتحويل التصور إلى تصميم أولي، قبل أن يعود هو لإجراء التعديلات حتى يصل إلى الشكل الذي تخيله، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا أصبحت أداة مساعدة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل خيال الفنان أو إحساسه بالقطعة.

 

وتابع صانع النحاس أن تنفيذ القطعة يمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ بالمنشار اليدوي لتفريغ النحاس، ثم الحفر والنقش، وصولًا إلى تطعيم الأعمال بالأحجار الطبيعية والصدف وألوان المينا، وهي مراحل تحتاج إلى صبر ودقة كبيرة حتى تبدو القطعة وكأنها خرجت من قالب واحد، رغم أنها مرت بعشرات الخطوات اليدوية.

محمود إبراهيم عطا الله أحد العارضين في معرض «ديارنا»

وروى أن معرض «ديارنا» كان نقطة تحول حقيقية في مسيرته، إذ يشارك فيه منذ أكثر من عشرة أعوام، وأصبح بالنسبة له نافذة أساسية للوصول إلى الجمهور داخل مصر وخارجها، فالمعرض لا يقتصر على البيع المباشر، بل يفتح أبوابًا للتعامل مع عملاء جدد وتجار جملة، كما يتيح فرصة للتعرف على المصريين المقيمين بالخارج والسائحين.

 

وأشار إلى أن هذه المشاركات فتحت أمامه أسواقًا خارجية، حيث وصلت أعماله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وأستراليا، ونيوزيلندا، كما تلقى طلبات خاصة لتنفيذ تصميمات مستوحاة من التراث القبطي، كان من بينها تنفيذ أكثر من مائتي قطعة لإحدى الكنائس، مستلهمة من كنيسة أبي سرجة، ومطعمة بالأحجار الطبيعية وتحمل عبارة «الله محبة».

معرض «ديارنا»

وأكد أن نجاح أي حرفي لا يتوقف عند جودة المنتج، وإنما يحتاج إلى منفذ يوصله بالناس، معتبرًا أن معارض «ديارنا» لعبت هذا الدور بامتياز، لأنها وفرت له منصة لتسويق إنتاجه، وساعدته على استمرار الورشة التي يعمل بها هو وأبناؤه وعدد من الصنايعية، ليواصلوا جميعًا تحويل التراث المصري إلى أعمال فنية تحمل هوية الوطن إلى داخل مصر وخارجها.

 

وبين قطعة مستوحاة من الحضارة الفرعونية، وأخرى تحمل روح العمارة الإسلامية أو الفن القبطي، يواصل محمود رحلته مع النحاس، مؤمنًا بأن تاريخ مصر لا يعيش في الكتب فقط، بل يمكن أن يتحول إلى قطعة فنية صغيرة يحملها الإنسان معه أينما ذهب.

 محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي
 محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي
 محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي
 محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي
 محمود إبراهيم عطا الله، صانع الحُلي