الأحد 07 يونيو 2026 الموافق 21 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

ظاهرة الكلاب الضالة في مصر.. أبعاد الأزمة ورؤية الحل بين الأمان المجتمعي والرفق بالحيوان

الأحد 07/يونيو/2026 - 06:49 م
اللواء رأفت الشرقاوي
اللواء رأفت الشرقاوي

شهدت الآونة الأخيرة تنامياً ملحوظاً في ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في الشوارع والميادين المصرية، حتى أصبحت تشكل أحد أبرز التحديات الأمنية، الصحية، البيئية، والاقتصادية الشائكة. وتقدر الإحصائيات غير الرسمية أعداد هذه الكلاب بملايين الرؤوس، مع تزايدها المستمر، مما أفرز تداعيات مباشرة على أمن المواطن وسلامته اليومية، واستدعى تحركات عاجلة على المستويين البرلماني والحكومي لصياغة استراتيجية وطنية شاملة ومتوازنة تضمن حماية الإنسان والرفق بالحيوان.

وفي قراءة خاصة للمشهد، يوضح الخبير الأمني اللواء رأفت الشرقاوي أن أبعاد هذه الأزمة وطرق حلها تتشابك بين الوعي المجتمعي والالتزام القانوني، وهو ما نرصده في هذا التقرير:

أولاً: الأسباب الهيكلية لتفاقم الأزمة

لا يمكن معالجة هذه الظاهرة دون الوقوف على العوامل البيئية والسلوكية التي ساهمت في تضخمها، وتتمثل أبرز هذه الأسباب في:

أزمة إدارة النفايات والمخلفات: يمثل الانتشار العشوائي للقمامة وتراكم بقايا الأطعمة بيئة خصبة وجاذبة لتجمع الكلاب، ومصدراً أساسياً ومستداماً لغذائها في المناطق السكنية.

القدرات البيولوجية العالية على التكاثر: تتميز الكلاب بمعدل خصوبة مرتفع، حيث تستطيع الأنثى إنتاج أعداد كبيرة تصل إلى 12 جرواً عدة مرات في السنة، مما يؤدي إلى طفرات عددية متتالية.

سلوكيات الإطعام العشوائي: على الرغم من الدوافع الإنسانية، إلا أن ممارسات إطعام كلاب الشوارع في مناطق معينة تساهم في بقائها وتجمعها داخل المربعات السكنية، مما يغير سلوكها الطبيعي ويزيد من فرض سيطرتها على المكان.

ثانياً: المخاطر والتداعيات المترتبة على الظاهرة

تتعدد المخاطر الناتجة عن خروج هذه الظاهرة عن السيطرة لتشمل أبعاداً أمنية وصحية ونفسية مقلقة للمواطنين:

ارتفاع معدلات الإصابة بالعقر: شهدت الفترة الأخيرة زيادة مقلقة في أعداد المصابين بلدغات وعقر الكلاب، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

التهديدات الصحية (مرض السعار): تبرز المخاوف الكبرى من انتقال الأمراض المشتركة، وعلى رأسها داء الكلب "السعار"، وهو خطر حاد يهدد صحة الإنسان.

بث الذعر : تسببت المجموعات المنتشرة من الكلاب في بث حالة من الخوف العام وسط المواطنين، خاصة خلال فترات الليل والصباح الباكر.

تحرك حكومي رائد: مأوى محافظة القاهرة بالتبين
في خطوة عملية تعكس جدية الدولة في التعامل العلمي والإنساني، أعلن السيد محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر عن إنشاء مأوى (شلتر) حكومي كبير بمدينة التبين على مساحة 5000 متر مربع ليستوعب نحو 700 كلب. 

ويهدف هذا المشروع إلى التعامل مع الأزمة بطرق علمية تتضمن التعقيم، التطعيم، وتقديم الرعاية الطبية قبل طرحها للتبني، لضمان سلامة المواطنين دون الإخلال بالرفق بالحيوان.

ثالثاً: الأطر القانونية والشروط المنظمة لإنشاء الملاجئ (الشلاتر) الخاصة

وفقاً للتوضيحات القانونية التي أشار إليها اللواء رأفت الشرقاوي، يجوز للمواطنين إنشاء مأوى للكلاب، ولكن وفق ضوابط وقوانين صارمة تفرضها الدولة لضمان السلامة العامة وعدم الإخلال بالتوازن البيئي:

التراخيص الحكومية: يحظر إنشاء أي مأوى بشكل عشوائي. يتطلب الأمر تخصيص أرض معتمدة من المحافظة أو جهاز المدينة، وموافقة من الهيئة العامة للخدمات البيطرية.

تطبيق "قانون حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب": الالتزام التام بالقوانين المنظمة (مثل القانون رقم 29 لسنة 2023) والتي تحدد شروط اقتناء وترخيص الكلاب، وتفرض عقوبات صارمة على حيازة كلاب خطرة أو غير مرخصة.

الإشراف الطبي المعتمد: يجب أن يضم المأوى أطباء بيطريين لتقديم الرعاية، وإجراء عمليات التعقيم (لمنع التكاثر العشوائي)، وتوفير التطعيمات ضد الأمراض مثل السعار.

الالتزام البيئي والجغرافي: يجب أن يكون المكان مجهزاً بطريقة صحية لمنع انتشار الأوبئة أو إزعاج الجيران، مما يتطلب مساحات بعيدة عن التجمعات السكنية.

رابعاً: كيف يمكنك المساعدة والتنفيذ؟ (دليل المواطن والمجتمع المدني)

لكل من يرغب في اتخاذ خطوات عملية في هذا المجال، تبرز المسارات القانونية التالية كأفضل خيار:

الجمعيات الأهلية: التوجه نحو تأسيس جمعية أهلية لحماية الحيوان ومراجعة وزارة التضامن الاجتماعي، ثم التقدم بطلب للمحافظة للحصول على قطعة أرض لإدارة "شلتر" بالشراكة مع الطب البيطري، والتواصل مع الهيئة العامة للخدمات البيطرية لمعرفة الشروط الهندسية والصحية.

التبني والرعاية الفردية: تبني الكلاب من الملاجئ المعتمدة، أو تربية كلب في المنزل بشرط ترخيصه وتسجيله رسمياً.

في النهاية فإن حل أزمة الكلاب الضالة في مصر يرتكز بالأساس على تعزيز الشراكة والتكامل بين أجهزة الدولة والجمعيات الأهلية، حتى يتحقق التوازن المنشود بين الرفق بالحيوان وعدم إيذاء المواطنين.

حفظ الله مصر وشعبها وقائدها وجيشها ورجال أمنها وكافة المخلصين من أبناء هذا الوطن، وجنبها شر الفتن والأحقاد والشائعات والضغائن والحروب.