أجنحة الغضب تكشف البطولات المجهولة للطيارين المصريين في أصعب أيام يونيو 1967
كشف الفيلم الوثائقي "أجنحة الغضب" الذي أنتجته مجموعة 73 مؤرخين، عن واحدة من أكثر المعارك الجوية المصرية إثارة خلال حرب يونيو 1967، وهي معركة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الأضواء رغم ما حملته من تفاصيل بطولية جسدها طيارو القوات الجوية المصرية في واحدة من أصعب لحظات تاريخها.
ويعيد الفيلم إحياء تلك اللحظات الدرامية التي أعقبت ضربة الخامس من يونيو، حين خاض تشكيل صغير من الطائرات المصرية مواجهة غير متكافئة في سماء جنوب سيناء. ورغم الفارق الكبير في الإمكانيات والظروف الصعبة التي كانت تمر بها القوات المسلحة في ذلك الوقت، نجح الطيارون المصريون في إسقاط طائرتي نقل عسكري إسرائيليتين كانتا تحملان قوات مظلات في طريقها لتنفيذ عملية عسكرية خطيرة كانت تستهدف مدينة شرم الشيخ.
رسالة استخباراتية تكشف مخطط السيطرة على شرم الشيخ
تبدأ تفاصيل هذه الواقعة مع وصول رسالة عاجلة ومشفرة إلى الرائد الطيار سعيد شلش، قائد سرب طائرات ميج-19 في مطار القاهرة الدولي آنذاك، حملت الرسالة معلومات استخباراتية بالغة الأهمية تتعلق بخطة عسكرية إسرائيلية وضعها وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت موشي ديان، تقضي بتنفيذ عملية إبرار جوي لقوات المظلات بهدف السيطرة السريعة على مدينة شرم الشيخ.
وكانت الخطة تعتمد على استغلال حالة الارتباك والفراغ العسكري التي شهدتها المنطقة في أعقاب الضربة الجوية التي تعرضت لها المطارات المصرية صباح الخامس من يونيو، ففي تلك اللحظة لم تكن هناك قوات مصرية كافية للدفاع عن المدينة، ما جعلها هدفًا مناسبًا لمحاولة السيطرة السريعة عليها من خلال إنزال قوات مظلية إسرائيلية قبل أن تتمكن القوات المصرية من إعادة تنظيم صفوفها.
قرار جريء رغم الظروف الصعبة
في ظل تلك المعطيات المعقدة، كانت القوات الجوية المصرية تعاني من نقص شديد في الطائرات الصالحة للطيران بعد الضربة الجوية الأولى. ومع ذلك لم يتردد الرائد سعيد شلش في اتخاذ قرار جريء بالتحرك فورًا لاعتراض العملية الإسرائيلية قبل تنفيذها.
اختار شلش ثلاثة من أمهر الطيارين في سربه للمشاركة في المهمة، وهم الرائد فتحي سليم، والرائد مصطفى درويش، والملازم أول عبد الرحيم صدقي، وبعد تجهيز الطائرات انطلق التشكيل المصري من مطار القاهرة الدولي متجهًا نحو جنوب سيناء في مهمة شديدة الخطورة.
وعند وصول الطيارين إلى منطقة العمليات، تمكنوا من رصد الهدف الذي كانوا يبحثون عنه، حيث ظهرت أمامهم طائرتا نقل عسكري إسرائيليتان من طراز "نور أطلس" تحملان قوات مظلات في طريقها إلى شرم الشيخ، لكن المفاجأة التي واجهها الطيارون المصريون تمثلت في أن الطائرتين لم تكونا بمفردهما، إذ كانت تحلق حولهما طائرات ميراج إسرائيلية توفر لهما الحماية الجوية، بعدما اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن السماء أصبحت خالية تمامًا من الطائرات المصرية عقب الضربة الجوية الأولى.
الاشتباك الحاسم في سماء سيناء
بعد التأكد من هوية الهدف، اتخذ الرائد سعيد شلش قرار الاشتباك على الفور، وأصدر أوامره بتنفيذ الخطة القتالية. تولى هو والرائد مصطفى درويش مهمة الاشتباك مع طائرات الميراج الإسرائيلية بهدف تشتيت انتباهها وإبعادها عن طائرات النقل، بينما اندفع الرائد فتحي سليم والملازم أول عبد الرحيم صدقي نحو الهدف الرئيسي، وهو طائرتا النقل البطيئتان المحملتان بالمظليين.
وخلال لحظات قليلة تمكن الطياران المصريان من الاقتراب من الطائرتين وفتحا نيران مدافعهما عليهما مباشرة، وبفضل دقة التصويب أصيبت الطائرتان إصابات مباشرة، ولم تمض سوى ثوانٍ حتى انفجرتا في السماء وتحولتا إلى كتل من النيران قبل أن تسقطا محطمتين وسط جبال جنوب سيناء الوعرة، ومعهما القوات التي كانت على متنهما.
وأدى هذا النجاح المفاجئ إلى إرباك الخطة الإسرائيلية بالكامل، حيث اضطرت القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى تأجيل عملية السيطرة على شرم الشيخ لمدة أربعٍ وعشرين ساعة كاملة.
لحظة الاكتشاف الحاسمة في المعركة
وكشف اللواء طيار عبد الرحيم صدقي، أحد الطيارين المشاركين في هذه المعركة، لاحقًا تفاصيل دقيقة عن سير الاشتباك، موضحاً أن التشكيل المصري كان يحلق على ارتفاع يقارب ثلاثة كيلومترات، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع أعلى يصل إلى نحو خمسة كيلومترات.
وأشار إلى أن الرادارات المصرية كانت خارج الخدمة في ذلك الوقت، الأمر الذي جعل الطيارين يعتمدون بشكل كامل على الرؤية المباشرة بالعين المجردة، ويروي صدقي اللحظة التي اكتشف فيها الطائرات الإسرائيلية قائلاً إنه لاحظ انعكاس ضوء الشمس على أجنحة طائرات الميراج القادمة من جهة الغرب، وهو ما وصفه بـ"الفلاش"، فأدرك فورًا أنها طائرات معادية، وأبلغ الرائد فتحي سليم بوجود أربع طائرات ميراج على مسافة تقارب اثني عشر كيلومترًا.
انفجار هائل يضيء سماء سيناء
ومن أكثر اللحظات التي بقيت راسخة في ذاكرة المشاركين في تلك المعركة، لحظة إصابة طائرتي النقل الإسرائيليتين. فقد أوضح اللواء عبد الرحيم صدقي أن طائرات "نور أطلس" كانت تعمل بالبنزين العادي وليس بوقود الطائرات النفاثة المعروف باسم "الجاز"، وهو ما جعل انفجارها مختلفًا وأكثر عنفًا.
وأشار إلى أنه بمجرد أن فتح الرائد فتحي سليم النار على الطائرة الأولى، انفجرت بشدة وتحول لون السماء إلى الأحمر القاني نتيجة احتراق البنزين، وهو مشهد وصفه بأنه بدا كأنه "دم الغزال" في السماء، وبعدها بثوانٍ قليلة فقط انفجرت الطائرة الثانية لتتحول هي الأخرى إلى كتلة من النيران.
مواجهة غير متكافئة مع طائرات الميراج
ورغم نجاح الطيارين المصريين في إسقاط طائرتي النقل، فإن المعركة لم تنته عند هذا الحد، فقد فوجئ التشكيل المصري الصغير، الذي كان يتكون من أربع طائرات فقط، بوجود سرب كامل من طائرات الميراج الإسرائيلية يبلغ عدده اثنتي عشرة طائرة كانت توفر الحماية للعملية.
ووصف اللواء صدقي شدة الاشتباك قائلاً إن الصواريخ الإسرائيلية كانت تمر فوق رؤوس الطيارين، وكان يشعر بحرارة الصاروخ أثناء مروره بجوار الطائرة، خاصة أن طوله كان يقارب طول الطائرة نفسها، مضيفاً أنهم كانوا يناورون يمينًا ويسارًا وسط سيل من الصواريخ والطلقات في محاولة للإفلات من الاشتباك.
ورغم خطورة الموقف، تمكن الطيارون المصريون في النهاية من تنفيذ مناورات ناجحة سمحت لهم بالانسحاب من المعركة على ارتفاع منخفض للغاية.
طريق العودة والتضحية الأخيرة
لم تكن رحلة العودة أقل خطورة من المعركة نفسها، إذ واجهت الطائرات المصرية مشكلة خطيرة تمثلت في نقص الوقود نتيجة المسافة الطويلة التي قطعتها خلال تنفيذ المهمة، وكانت طائرة الرائد فتحي سليم الأكثر تضررًا، حيث تعرضت لإصابة خلال الاشتباك إضافة إلى انخفاض شديد في كمية الوقود، وأمام هذا الوضع الصعب اتخذ قرارًا بمحاولة الهبوط في مطار فايد كحل أخير لإنقاذ الطائرة.
وبالفعل تمكن من الهبوط بالطائرة على المدرج، لكن أثناء عملية التوقف انفجر أحد الإطارات نتيجة التلف، كما اصطدمت الطائرة بحطام طائرة أخرى كانت مدمرة على الممر، وأدى ذلك إلى انفجار الطائرة واستشهاد الرائد فتحي سليم، ليخلد اسمه كأحد أبطال القوات الجوية المصرية.
وأكد اللواء عبد الرحيم صدقي أن تضحية فتحي سليم كانت حاسمة، لأن نجاح تلك المهمة ساهم في منع احتلال شرم الشيخ في ذلك اليوم، وحرَم إسرائيل من تحقيق نصر معنوي كانت تسعى إليه.
"أجنحة الغضب".. توثيق بطولات غابت عن الذاكرة
تأتي هذه القصة ضمن سلسلة الأفلام الوثائقية "أجنحة الغضب" التي أعدتها مجموعة 73 مؤرخين، وهي أول سلسلة أفلام وثائقية حربية مصرية وعربية تستخدم تقنيات الجرافيك والثري دي لإعادة تمثيل المعارك الجوية التاريخية.
وتهدف السلسلة إلى توثيق بطولات لم تحظ بالاهتمام الإعلامي الكافي من قبل، من خلال تسجيل شهادات أبطال القوات الجوية الذين ما زالوا على قيد الحياة، ثم إعادة تجسيد تلك المعارك باستخدام تقنيات الرسوم المتحركة الحديثة.
وتتكون السلسلة من ستة أجزاء تغطي الفترة ما بين عامي 1967 و1973، وقد تم الانتهاء من الجزأين الأول والثاني بجهود ذاتية بالكامل ودون أي تمويل خارجي، بعد عمل استمر أكثر من ثلاث سنوات.
الفيلم من إعداد مجموعة 73 مؤرخين، وسيناريو أحمد زايد، ويرأس فريق الإعداد الدكتور عبدالله عمران، بينما تولى محمد سامي إخراج الجرافيك، وأخرجه سينمائيًا أحمد فتحي.



