استاذ اجتماع: ضعف الوعي المجتمعي قادر على هدم إنجازات تنموية كبيرة
قال الدكتور عمرو غنيم، أستاذ علم الإجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الإجتماعية، إن الوعي المجتمعي ليس مجرد معرفة أو سماع، بل هو إجراء جمعي يجعل الفرد مدركًا لطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وكيف يعمل، وما هو دوره داخل المنظومة.
وأوض أن الوعي المجتمعي يعني أن الشخص يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك القيم والأعراف التي تنظم السلوك، ويعي المشكلات الحقيقية في مجتمعه بعيدًا عن الصورة المزيفة التي تصدرها السوشيال ميديا، ويستطيع الربط بين سلوكه الفردي والنتائج التي تؤثر على المجتمع ككل، ليشعر أنه شريك في المجتمع وليس معزولًا عنه.
وأضاف غنيم خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "ناسنا"، المُذاع عبر شاشة المحور، أن ضعف الوعي المجتمعي قادر على هدم إنجازات تنموية كبيرة بشكل تراكمي وخطير، موضحًا أن التنمية ليست مجرد مبانٍ وبنية تحتية، بل هي أيضًا سلوك الأفراد. فإذا أنشأت الدولة مشروعات كبرى مثل شبكات الطرق أو المستشفيات أو المدارس، فإن غياب الوعي يجعل المواطن يتعامل معها وكأنها ليست ملكه، فيهملها أو يسيء استخدامها، فتتحول الإنجازات إلى أعباء تنهار سريعًا. كما أن ضعف الوعي يخلق مقاومة غير مقصودة للتنمية، حيث يعارض الناس أحيانًا مشروعات جيدة ليس لأنها خاطئة، بل لأنهم لم يفهموها أو لأن الشائعات سبقت المعلومات، فيتوقف المشروع أو يتشوه. ولهذا يؤكد علماء الاجتماع أن التنمية التي لا يواكبها وعي مجتمعي تبقى شكلية وهشة من الداخل.
وأوضح أن بناء الإنسان ووعيه لا يقل أهمية عن المشروعات التنموية والبنية التحتية، لأن المجتمع الواعي هو الضمان الحقيقي لاستمرار أي إنجاز واستفادة الأجيال القادمة منه. وأشار إلى أن الدولة المصرية تبذل جهدًا كبيرًا في هذا الملف بفضل رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وجه بإطلاق مبادرات عديدة، منها المشروع القومي للتنمية البشرية "بداية"، إلى جانب تشكيل مجموعة وزارية للتنمية البشرية لأول مرة في مصر.
وأكد غنيم أن أخطر أشكال غياب الوعي في الفترة الأخيرة يتمثلان في شكلين رئيسيين: الأول هو الوعي الزائف، حيث يظن البعض أنهم يمتلكون وعيًا بينما هو مبني على السوشيال ميديا أو عناوين ومقاطع مجتزأة، فيتشبثون بآرائهم دون معرفة حقيقية، وهو ما يعد أخطر من الجهل لأن الجاهل يمكن أن يتعلم، بينما الواعي زائفًا يقاوم الفهم. أما الشكل الثاني فهو الفردانية المفرطة، حيث يغيب الإحساس بالمصلحة العامة ويسود منطق "أنا مالي"، مما يكسر أي محاولة للعمل الجماعي أو الإصلاح المجتمعي.
وأشار إلى أن بناء الوعي لا يمكن أن يكون من طرف واحد، بل هو منظومة تبدأ بالأسرة باعتبارها المصنع الأول للوعي، حيث يتعلم الطفل معنى الصح والخطأ والاحترام والمسؤولية. يليها التعليم الذي يجب أن يكوّن عقلًا نقديًا قادرًا على التمييز بين المعلومة والشائعة، لا مجرد الحفظ والتلقين. ثم يأتي الإعلام الذي يمكن أن يبني الوعي أو يهدمه، فإذا بسط القضايا دون تسطيح وشرحها دون تخويف كان شريكًا في البناء، أما إذا ركض وراء الترند وهول القضايا المعقدة فإنه يساهم في خلق وعي زائف أخطر من الجهل.





