من خراب الهيكل إلى السياسة.. كيف وظّف نتنياهو «تيشعاه بآف» للترويج لحكومة وطنية؟
استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الساعات التي سبقت بدء صيام "تِشعاه بآف"، أحد أكثر أيام الحداد قدسية في اليهودية، لتوجيه رسالة سياسية دعا فيها إلى تعميق الوحدة الوطنية، مستحضرًا الدلالات التاريخية والدينية للمناسبة بحسب صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.
الهيكل الثالث
قال نتنياهو في بيان مصور إن ذكرى "تاسع آب" تُعيد إلى الأذهان تدمير الهيكل والثمن الباهظ الذي دفعه اليهود بسبب "الكراهية والانقسام الداخلي"، مضيفًا أن إسرائيل "منعت خلال السنوات الثلاث الماضية تدمير الهيكل الثالث"، في إشارة رمزية إلى الحفاظ على الدولة اليهودية.
ولم يكن اختيار نتنياهو لهذه المناسبة مصادفة؛ فـ"تِشعاه بآف" لا يُعد مجرد يوم صيام وحداد لدى اليهود، بل يمثل واحدة من أكثر المناسبات الدينية ارتباطًا بذاكرة الخراب والانقسام، وهو ما يمنح أي خطاب سياسي يُلقى فيه دلالات تتجاوز البعد الديني إلى رسائل تتعلق بالواقع الإسرائيلي الراهن
ما هو «تيشعاه بآف»؟
يُعد «تيشعاه بآف» ، أو التاسع من شهر آب في التقويم العبري، أقدس وأشد أيام الحداد في الديانة اليهودية، ويصوم فيه اليهود لمدة تقارب 25 ساعة، من غروب الشمس حتى حلول الليل في اليوم التالي، إحياءً لذكرى سلسلة من الكوارث التي يعتبرها اليهود محطات مفصلية في تاريخهم.
تعود جذور «تيشعاه بآف» إلى حدثين يُعدّان من أكثر المحطات مأساوية في التاريخ اليهودي، إذ يحيي اليهود في هذا اليوم ذكرى تدمير الهيكل الأول في القدس، الذي بناه النبي سليمان، بعدما اجتاح الملك البابلي نبوخذ نصر المدينة عام 586 قبل الميلاد، ودمر الهيكل، قبل أن يقتاد آلاف اليهود أسرى إلى بابل فيما عُرف بـ«السبي البابلي».
كما يستذكر اليهود في اليوم ذاته خراب الهيكل الثاني، الذي شُيّد بعد عودة اليهود من السبي، لكنه دُمّر على يد القوات الرومانية بقيادة تيطس عام 70 ميلاديًا، عقب حصار دامٍ للقدس انتهى بسقوط المدينة، ومقتل وتشريد أعداد كبيرة من سكانها، ليصبح هذا الحدث رمزًا لبداية الشتات اليهودي في أنحاء العالم، وأحد أكثر الوقائع حضورًا في الذاكرة الدينية والقومية لليهود.
كيف يُحيي اليهود «تيشعاه بآف»؟
يبدأ إحياء «تيشعاه بآف» مع غروب شمس اليوم السابق، حيث يدخل اليهود في صيام كامل يستمر نحو 25 ساعة، يمتنعون خلاله عن الطعام والشراب، باعتباره يومًا للتوبة والحداد واستذكار الكوارث التي حلت بالشعب اليهودي.
ولا يقتصر الأمر على الصيام فقط، بل يلتزم المتدينون بعدد من الطقوس التي تعكس أجواء الحزن، فيتجنبون الاغتسال إلا للضرورة، والامتناع عن استخدام العطور ومستحضرات التجميل، وعدم ارتداء الأحذية الجلدية، إضافة إلى الامتناع عن العلاقات الزوجية.
وخلال الصلوات، تُقام مراسم خاصة داخل المعابد اليهودية، حيث تُخفَّض الإضاءة، ويجلس المصلون على الأرض أو على مقاعد منخفضة تعبيرًا عن الحداد، كما يتلون سفر المراثي المنسوب إلى النبي إرميا، إلى جانب قصائد رثاء تُعرف باسم «الكينوت»، والتي تستحضر خراب الهيكلين وما تلاه من مآسٍ في التاريخ اليهودي.
يرتدي الرجال عادة ملابس بسيطة وغير فاخرة تعبيرًا عن الحداد، ويتجنبون ارتداء الأحذية الجلدية، ويحرص كثير منهم على ارتداء الكيباه (القلنسوة اليهودية)، بينما يرتدي المتزوجون منهم شال الصلاة (الطاليت) أثناء صلاة الصباح فقط وفقًا للتقاليد المتبعة، بعدما يكونون قد امتنعوا عن ارتدائه في صلاة المساء باعتباره رمزًا للفرح والوقار.
ويقضي الرجال جزءًا كبيرًا من اليوم داخل المعابد اليهودية، حيث يشاركون في الصلوات الجماعية، ويتلون سفر المراثي (إيخاه)، إلى جانب قصائد الرثاء المعروفة باسم «الكينوت»، كما يجلسون على الأرض أو على مقاعد منخفضة خلال الليلة الأولى تعبيرًا عن الحزن.
أما النساء، فيلتزمن أيضًا بالصيام وجميع أحكام الحداد، ويرتدين ملابس محتشمة وبسيطة، ويتجنبن الأحذية الجلدية والزينة والعطور. وفي معظم المعابد الأرثوذكسية يصلين في قسم منفصل عن الرجال، ويقرأن أيضًا سفر المراثي، كما تشارك كثيرات في تلاوة «الكينوت»، سواء داخل قسم النساء في المعبد أو في المنازل أو التجمعات النسائية، إذ لا يوجد في الشريعة اليهودية ما يمنع المرأة من قراءة سفر المراثي في هذا اليوم، وإن كانت طريقة المشاركة تختلف باختلاف الطائفة والعادات المحلية.
ما علاقة «تيشعاه بآف» بحائط البراق؟
يرتبط «تيشعاه بآف» ارتباطًا مباشرًا بحائط البراق، الذي يسميه اليهود حائط المبكى، إذ يعتقدون أنه أقرب نقطة متبقية من موقع الهيكل الثاني بعد تدميره على يد الرومان عام 70 ميلاديًا.
ولهذا يتوافد عشرات الآلاف من اليهود إلى الحائط في هذا اليوم لإقامة الصلوات، وقراءة سفر المراثي وقصائد الرثاء، إحياءً لذكرى خراب الهيكلين.
وفي ظل هذه الرمزية الدينية والتاريخية، لم يعد «تيشعاه بآف» مجرد يوم حداد في العقيدة اليهودية، بل تحول أيضًا إلى مناسبة يستحضرها الساسة الإسرائيليون لتوجيه رسائل سياسية. وهو ما ظهر في خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي استثمر المناسبة للدعوة إلى الوحدة الوطنية، في محاولة لربط الماضي بالحاضر وتوظيف الذاكرة التاريخية في خدمة خطابه السياسي.



