خبير لـ«مصر تايمز»: فرص استمرار التفاهمات الأمريكية الإيرانية أكبر من العودة للحرب
أعادت التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران طرح تساؤلات واسعة حول مستقبل الشرق الأوسط، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، أم أن ما جرى لا يتجاوز هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
وفي هذا السياق، يرى اللواء محمد الغباشي، الخبير الاستراتيجي وأمين مركز آفاق للدراسات السياسية، أن فرص استمرار التفاهمات تبدو أكبر من احتمالات عودة المواجهة العسكرية، رغم وجود عوامل قد تهدد هذا المسار، وفي مقدمتها التحركات الإسرائيلية.
تقديرات خاطئة دفعت الطرفين إلى المواجهة
قال الخبير الاستراتيجي في تصريحات خاصة لـ "مصر تايمز"، إن الولايات المتحدة وإيران دخلتا المواجهة العسكرية الأخيرة بناءً على تقديرات خاطئة من الجانبين، وهو ما انعكس على مسار العمليات ونتائجها.
وأشار الغباشي إلى أن واشنطن رغم تفوقها العسكري، لم تنجح في تحقيق أهدافها الأساسية من الحرب، في الوقت الذي تكبدت فيه خسائر متعددة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، كما تعرضت الصورة الذهنية للجيش الأمريكي باعتباره القوة العسكرية الأعظم عالميًا لاهتزاز واضح نتيجة التطورات الميدانية.
مضيق هرمز والخسائر العسكرية عجلا التفاهمات
وفي سياق متصل، لفت إلى أن الأزمة كشفت تحديات جديدة أمام الولايات المتحدة، أبرزها تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من اضطرابات في الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة.
وأضاف أن العديد من القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج تعرضت لأضرار كبيرة، وأن الصواريخ الإيرانية نجحت في استهداف منظومات دفاعية و رادارية مهمة، ما أضعف من كفاءة بعض القواعد التي كانت تمثل مظلة حماية للدول المستضيفة لها.
وأوضح أن هذه التطورات إلى جانب الضغوط السياسية داخل الكونجرس الأمريكي والاعتراضات المتزايدة على استمرار العمليات العسكرية، دفعت الإدارة الأمريكية إلى البحث عن مسار تفاوضي وإنهاء المواجهة.
ضغوط داخلية على ترامب قبل الانتخابات
ولفت الغباشي إلى أن الحسابات الداخلية الأمريكية لعبت دورًا مؤثرًا في الاتجاه نحو التهدئة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وظهور انقسامات حتى داخل الحزب الجمهوري بشأن صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية الخارجية.
وأوضح أن الضغوط التي تعرض لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ساهمت في دفع واشنطن نحو تقديم تنازلات نسبية تسمح باستمرار المفاوضات، رغم حجم الدمار الذي لحق بإيران خلال الحرب.
لماذا تبدو فرص استمرار التفاهمات أكبر؟
ويرى الخبير الاستراتيجي أن العامل الأهم في ترجيح استمرار التفاهمات هو أن كلا الطرفين دفع ثمنًا باهظًا خلال المواجهة، موضحًا أن إيران تعرضت لخسائر واسعة في منشآتها المدنية والعسكرية، بينما تكبدت الولايات المتحدة خسائر عسكرية وسياسية واقتصادية، فضلًا عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتأثر الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا تلك المرتبطة بالحرس الثوري والقوة الصاروخية والبحرية، لا يزال قادرًا على إحداث أضرار كبيرة في حال استئناف القتال، وهو ما يدفع جميع الأطراف إلى تفضيل التهدئة على التصعيد.
إسرائيل.. الخطر الأكبر على الهدنة
وحذر الغباشي من أن العامل الأكثر تهديدًا لاستمرار التفاهمات يتمثل في إسرائيل، التي قد تسعى - بحسب تقديره - إلى إفشال أي تقارب أمريكي إيراني، مشيرًا إلى أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، ومن بينهم وزير الأمن القومي "بن غفير"، عكست رغبة في استمرار الضغوط العسكرية على إيران ولبنان.
وأوضح أن التخوف الرئيسي يتمثل في احتمال وقوع عمليات أو أحداث أمنية يتم توظيفها لتبرير استئناف المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
ماذا عن غزة ولبنان وسوريا؟
في هذا الإطار، أكد الغباشي أن تأثير التفاهمات الأمريكية الإيرانية على ملفات المنطقة سيكون متفاوتًا، موضحًا أن قطاع غزة سيظل بؤرة التوتر الرئيسية في المرحلة المقبلة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وعدم وجود مؤشرات حقيقية على إنهاء الحرب بشكل كامل.
ولفت إلى أن لبنان ربما تشهد ترتيبات جديدة، خاصة مع الحديث عن دعم الجيش السوري وتعزيز أدواره الأمنية، ما يؤدي إلى احتكاكات أو مواجهات غير مباشرة مع حزب الله، مرجحًا أن تشهد بقية ملفات المنطقة حالة من الهدوء النسبي، ما لم تظهر مستجدات تدفع الأطراف مجددًا نحو التصعيد.
مصر.. مكاسب سياسية واقتصادية محتملة
وحول موقع مصر في الترتيبات الإقليمية الجديدة، أكد الغباشي أن القاهرة حققت مكاسب سياسية مهمة من خلال دورها في منع اتساع نطاق الصراع، والمشاركة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة بالتنسيق مع عدد من القوى الإقليمية.
وأشار إلى أن المواقف المصرية الداعمة لأمن دول الخليج عززت من مكانة القاهرة لدى شركائها العرب، ورسخت دورها باعتبارها طرفًا رئيسيًا في معادلات الاستقرار الإقليمي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح أن مصر قد تستفيد من التحولات المرتقبة في مسارات نقل النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق الأوروبية، خاصة عبر خطوط الأنابيب والموانئ المصرية، بما يعزز من موقعها كمركز إقليمي للطاقة.
كما توقع الغباشي زيادة تدفقات الاستثمارات العربية والخليجية إلى مصر خلال المرحلة المقبلة، باعتبارها الدولة الأكثر استقرارًا في المنطقة والقادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
الشرق الأوسط أمام فرصة جديدة
واختتم الخبير الاستراتيجي حديثه، مؤكدًا على أن فرص نجاح التفاهمات الأمريكية الإيرانية تبدو مرتفعة في الوقت الراهن، نتيجة إدراك جميع الأطراف لكلفة المواجهة العسكرية.
وأشار إلى أن المنطقة تقف أمام فرصة حقيقية لإعادة رسم توازناتها السياسية والأمنية، لكن نجاح هذه الفرصة سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على منع أي محاولات لإشعال جولة جديدة من الصراع، والحفاظ على مسار التهدئة الذي بدأ يتشكل بعد الحرب الأخيرة.




