خلف معركة البحر الأحمر.. كيف تتقاطع مصالح الصين وأمريكا وإيران وإسرائيل؟
يعد البحر الأحمر أكثر المناطق حيوية في العالم، حيث يعبر من خلاله 12% من التجارة العالمية، وأيضًا 30 % من حركة الحاويات العالمية عبر قناة السويس، وأي تحول في طريق هذه السفن إلى رأس الرجاء الصالح يزيد من مدة الشحن مايقرب من 10-14 يومًا، وأي عدم استقرار في هذه المنطقة يؤدي إلى تعطيل التجارة العالمية، ولهذا تتنافس الدول ليكون لها مؤطئ قدم في هذه المنطقة، وهو ما يوضحه دراسة نشرها معهد الدراسات الاستراتيجية، ومعهد الحوكمة والمخاطر والامتثال، والمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، ومعهد تشاتام هاوس في الثالث من يونيو الحالي، ومركز الدرسات GiS reports للدرسات الجيوسياسية في دراسة نشرها في مايو الماضي، ودراسة سابقة نشرها المركز العربي في واشنطن دي سي.
مشهد سياسي معقد
و تتربع الصين في قائمة الدولة المنافسة في البحر الاحمر وذلك لكونه جزء أساسي من طريق الحرير البحري، إذ يمر من خلاله ما يقرب من ثلث التجارة البحرية بين الشرق والغرب، إضافة إلى ذلك يمثل البحر الأحمر ممر هام لأمن الطاقة الصينية، وعلى ذلك تضع بكين استثمارات كبيرة في الدولة المشاطئة للبحر خاصة فيما يتعلق بمجال النقل والربط، ومن أهم تلك الدول كانت مصر، حيث بلغت استثمارات الصين في المنطقة الإقتصادية لقناة السويس 5 مليار دولار في نهاية 2025.
ولايقتصر وجود الصين في هذه المنطقة على البعد الاقتصادي وحسب، و إنما أصبح لها وجود عسكري أيضًا، بعدما افتتحت في 2017 قاعدة دعم جيش التحرير الشعبي أول قاعدتها العسكرية الأولى خارج أرضها، ويأتي إهتمام الصين بجيبوتي، من كونها أحد أهم الركائز الذي يعتمد عليه طريق الحرير البحري.
وفي بلاد إفريقية أخرى توسع النفوذ الصيني، ومنها إريتريا التي تعترر الصين الدائن الرئيسي لها، ويتسع وجودها أيضًا ليشمل السودان، حيث كانت بكين الممول الأساسي لعدد من مشاريع البنية التحتية هناك في السكك الحديدية ومصافي النفط وتوسيع طاقة ميناء بورتسودان.
وتعد جيبوتي الدولة التي تقع على جنوب البحر الأحمر، تمتلك قواعد عسكرية لأكبر قوى متنافسة في العالم، إذ تمتلك بجانب القاعدة الصينية، أخرى أميركية وتعد الوحيدة المتمركز بشكل دائم في إفريقيا وهي قاعدة ليمونير الأمريكية الذي تم افتتاحها في عام 2003، في الوقت الذي أصبح الوجود الأمريكي في المنطقة يشكل أولوية لواشنطن، لمكافحة عمليات الإرهاب والقرصنة.
وتستضيف أيضًا قواعد لفرنسا واليابان وإيطاليا، ولكنها ترفض أن تعطي لروسيا.
ولم يقتصر الامر على الصين والولايات المتحدة الامريكية، حيث سعى الإتحاد الاوروبي إلى كسب منطقة نفوذ هناك، بعدما صنفت منطقة شمال غرب المحيط الهندي - بما في ذلك الجزء البحري الأخير الذي يربط أوروبا بآسيا - منطقة ذات أهمية بحرية، وقامت بمشاركة في عدد من العمليات العسكرية هناك مثل عملية أتالانتا وهي عملية عسكرية قامت بها القوة البحرية التابعة للناتو، من أجل تهدف إلى منع أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال، وقيادة العمليات المشتركة للاتحاد الأوروبي في الصومال، إضافة إلى عملية أسبيدس والتي على حماية الملاحة الدولية من هجمات الحوثيين، ولم تترك تركيا ساحة القرن الإفريقي بدون مشاركة فاقمت بالتعاون العسكري مع بعض دول منطقة القرن الإفريقي أمثال الصومال الذي موقعة معها على إتفاقية دفاع مشتركة.
وكان للدول الخليجية نصيب في تلك المنافسة، وتعتبر الإمارات أهم الدول العربية فاعلية في منطقة القرن الإفريقي، فلها وجود عسكري مطل على البحر الأحمر منذ 2015، بمتلاكها قاعدة عسكرية في ميناء عصب بإريتريا، وكذلك وجود إقتصادي قوي في دول مثل إثيوبيا وسودان وإقليم أرض الصومال، يتمحور نجاح هذه الاستراتيجية على وجود شركة موانئ دبي العالمية متعددة الجنسايات التي تقدم الخدمات اللوجستية، وتتركز أعمالها في ميناء بربرة بأرض الصومال، وكذلك إثيوبيا والتي يربطها بدبي تعاون العسكري وإقتصادي قوي، واتفاقيات الوصول إلى الموانئ.
وبعد توقيع اتفاقيات إبرهام بين الدول العربية ودولة الإحتلال الإسرائيلي، وكانت الإمارات العربية المتحدة أحد تلك الدول المطبعة، بدأت شراكة إماراتية إسرائيلية في المنطقة، في إطار المنافسة بين إيران وإسرائيل، ودبي والدوحة، ومؤخرًا سعى الاحتلال الإسرائيلي بتعزيز وجوده في إقليم أرض الصومال، بالإعتراف به كدولة مستقلة.
وبهذا تشكل المشهد السياسي التنافسي بين دول العالم في المنطقة، ولكن أيضًا تسهم الخلافات بين الدول الإفريقة نفسها في تشكيل المشهد هناك، مثل مصر وتظل مصر صاحبة الأهمية الأكبر في المنطقة، لامتلاكها قناة السويس والذي تمر من خلالها نحو 40% من تجارة الاتحاد الأوروبي مع آسيا، وكذلك إثيوبيا الذي خسرت منفذها المباشر إلى البحر بعد استقلال إريتريا، ولكن مازالت تطمح في الوصول للبحر مرة أخرى مما يجعلها فاعل مهم في منطقة البحر الاحمر.
الحوثي وتهديد الملاحة العالمية
وتشهد تلك المنطقة التي تجمع أغلب دول العالم على التنافس عليها إنعدام لأمن الإقليمي، بداية من أعمال القرصنة الذي تراجع بالفعل في الفترة الاخيرة بعد العملية التي قام بها الاتحاد الأوروبي في الفترة الاخيرة، ليحل محلها تهديد أمني جديد نتج عن الحرب اليمن، وهم الحوثيون، الذين بدواؤء بعد إنقلابهم عام 2012 إلى مهاجمة سفن دولية قبالة سواحل اليمن، بدءًا بهجمات بدائية نسبيًا بقذائف صاروخية، واستخدم الحوثيون في ما لا يقل عن عشرين هجومًا صواريخ مضادة للسفن، ومن هنا أصبحت جماعة الحوثي الخطر الرئيسي على حركة الملاحة البحر الأحمر، خاصة بعد أحداث 7 اكتوبر 2023، والتي صحبها هجمات الحوثيين الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة على السفن التي تعبر مضيق باب المندب، مما أجبر العديد من الشركات على تغيير طريقها إلى رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وبهذا زاد النفوذ الإيراني في منطقة البحر الاحمر من خلال جماعته اليمنية المدعومة بشكل مباشر من طهران، محولة البحر الأحمر إلى ساحة تنافس على حرية الملاحة. @وبعد حرب إيران الأخيرة زادات أهمية البحر الأحمر كممر مائي استراتيجي، قادرعلى تهديد الاقتصاد العالمي، في منطقة أصبحت معقل للكثير من الفاعلين الدوليين المستقلين، أصحاب حسابات مختلفة.
قوى إقليمية وسياسات متناقضة
و يعد باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً نقطتين يمثلان اختناق للبحر الاحمر، وبتبع يؤثر أي تعطيل في أحدهما على الملاحة البحرية العالمية، في ظل هذا ظهرت بعض الدول التي أصبحت كقوى إقليمية تسعى لسيطرة على هذه المنطقة مثل مصر وإثيوبيا وإسرائيل والسعودية.
وسعت هذه القوى الأقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى سعي نحو مصالحها الخاصة في البحر الأحمر بعيداً عن موقف الولايات المتحدة أوغيرها، من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات الاستراتيجية والوصول إلى الأسواق في أفريقيا، ولكن تأتي هذه التحركات في في دول تشهد العديد من الصرعات، مما يزيد من هذه الصراع داخل الدول، إذ تبدأ هذه القوى في دعم الأطراف المتحاربة ضد بعضها البعض، و بهذا تمكنت الجهات المحلية المتنازعة داخل هذه الدول على الاستمرار في النزاعات الأهلية، بالحصول على دعم دولي لمواصلة حروبها وتثبيت مواقعها.
وخلق هذا التنافس في هذه المنطقة عدد سياسات متناقضة بين دول المنطقة، شكلتها قوى إقليمية فاعلة مع شركائهم الاساسين، وأبرز مثال لهذا هو مصر والإمارات العربية المتحدة والتي تعد شريك إقتصادي أساسي للقاهرة، ومع ذلك تختلف توجهاتهم السياسية في حرب السودان، إذ تدعم مصر القوات المسلحة السودانية، ومن جهة اخرى تساند الإمارات قوات الدعم السريع، وكذلك في إثيوبيا التي دعمت دبي مشروعها على النيل سد النهضة ، والذي يمثل تهديد كبير للقاهرة، حيث يؤثر على منسوبها من مياه النيل.
سنياريوهات مستقبلية
يأتي السنياريو المحتمل لمستقبل هذا التنافس الإقليمي والعالمي هو أن يتشكل تحالفات تدريجيا، ويتعزز هذا وجود بيئة عالمية تتسم بالتقلبات، وكذلك أنظمة تجارية إقليمية متانمية، وأيضًا سعي هذه الدول أن تقلل من تبذلها الدول للحد من تعرضها للمخاطر الجيوسياسية.
وتاتي المواجهة المسلحة بين دول المنطقة سيناريو لا يمكن استبعاده والذي قد يصل إلى مواجهة مفتوحة، بإعتباره أحد أكثر الممرات عسكرة في العالم، ولكن أي نزاع مفتوح بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، سوف ينتج عنها اضطراب كبير في التجارة العالمية، مما سيؤدي إلى تكرار ما نتج عن إغلاق مضيق هرمز، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة.