رقائق الذاكرة تتفوق على النفط.. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة القيمة في الاقتصاد العالمي
في تحول اقتصادي يعكس صعود عصر الذكاء الاصطناعي، بدأت رقائق الذاكرة تفرض نفسها كمورد استراتيجي جديد ينافس النفط في الأهمية والقيمة، مدفوعة بالتوسع المتسارع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما دفع الشركات المنتجة لها إلى تحقيق قيم سوقية تجاوزت كبرى شركات النفط العالمية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال واطّلع عليه موقع اقتصاد سكاي نيوز عربية، فإن القيمة السوقية لأكبر ثلاث شركات مصنّعة لرقائق الذاكرة في العالم، وهي Samsung Electronics وSK Hynix وMicron Technology، تجاوزت مجتمعة تريليونات الدولارات، متفوقة بنحو 22 بالمئة على القيمة السوقية المجمعة لأكبر ثلاث شركات نفط عالمية، من بينها Saudi Aramco التي تقترب قيمتها منفردة من 1.8 تريليون دولار.
ولم تقتصر المكاسب على شركات الذاكرة التقليدية، إذ شهدت SanDisk المتخصصة في ذواكر الفلاش ارتفاعاً في قيمتها السوقية بنحو ثلاثة أضعاف منذ مارس الماضي، لتقترب من القيمة السوقية لشركة PetroChina، أكبر منتج للنفط في آسيا.
طفرة تتجاوز الدورات التقليدية
ورغم أن صناعة الرقائق عُرفت تاريخياً بتقلباتها الحادة بين فترات الازدهار والانكماش، فإن الطفرة الحالية تختلف عن سابقاتها. فقد أدى الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التحولات في نماذج الأعمال، إلى رفع الطلب على رقائق الذاكرة إلى مستويات تفوق القدرات الإنتاجية المتاحة حالياً.
وأدى هذا الاختلال بين العرض والطلب إلى ارتفاع الأسعار وتحسن هوامش الربح بصورة غير مسبوقة، ما دفع عدداً من المحللين إلى اعتبار التقييمات الحالية للشركات مبررة استناداً إلى توقعات الأرباح المستقبلية، فيما يرى آخرون أن الشركات التي تجاوزت قيمتها السوقية حاجز التريليون دولار لا تزال أقل من قيمتها الحقيقية مقارنة بآفاق النمو المنتظرة.
عقود طويلة الأجل تغيّر قواعد اللعبة
وأشار تقرير وول ستريت جورنال إلى أن شركات تصنيع رقائق الذاكرة بدأت تستثمر قوتها السوقية المتنامية لدفع العملاء نحو توقيع عقود توريد طويلة الأجل، في خطوة قد تُحدث تحولاً جذرياً في نموذج أعمال القطاع.
وتُظهر المؤشرات الأولية اتساع هذا التوجه؛ إذ أعلنت شركة مايكرون تكنولوجي في تقرير أرباحها الصادر في مارس توقيع أول عقد توريد يمتد لخمس سنوات، بينما كشفت سانديسك عن إبرام خمسة عقود طويلة الأجل مع عملاء رئيسيين، تكفي لتغطية أكثر من ثلث طاقتها الإنتاجية المتوقعة خلال السنة المالية المقبلة.
ويُتوقع أن تسهم هذه العقود في تعزيز استقرار الطلب والأسعار، وتقليل حدة التقلبات التي لطالما ميزت صناعة الرقائق.
الإنتاج محجوز مسبقاً لعمالقة التكنولوجيا
ويعزز هذا الاتجاه الإنفاق الضخم الذي تقوده شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، ما يعني أن جزءاً متزايداً من إنتاج رقائق الذاكرة خلال السنوات المقبلة سيكون محجوزاً مسبقاً عبر عقود متعددة السنوات وبشروط تسعير أكثر استقراراً.
ويقدّر المحلل في بنك UBS، تيم أركوري، أن هذه العقود ستغطي نحو 30 بالمئة من إجمالي شحنات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) العام المقبل، متوقعاً أن تكون شركات Microsoft وGoogle وAmazon قد ضمنت بالفعل الحصول على ما يقارب ثلثي الإنتاج العالمي من هذه الذواكر خلال السنوات المقبلة.
"النفط الجديد" للاقتصاد الرقمي
ويرى تقرير وول ستريت جورنال أن رقائق الذاكرة مرشحة لتكون "النفط الجديد" للاقتصاد العالمي، نظراً لدورها المتنامي في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لها.
وتشير تقديرات محللي وول ستريت إلى أن أرباح السهم الواحد لشركة مايكرون قد تتجاوز 60 دولاراً خلال السنة المالية المنتهية في أغسطس 2026، قبل أن ترتفع إلى نحو 106 دولارات في السنة المالية التالية، وفق تقديرات شركة Visible Alpha.
كما قفزت الأرباح المعدلة لسهم الشركة من 1.56 دولار في الربع المنتهي في فبراير 2025 إلى 12.20 دولاراً في الربع المنتهي في فبراير 2026، في مؤشر على النمو المتسارع الذي يشهده القطاع.
خبير: رقائق الذاكرة أصبحت وقود الاقتصاد الرقمي
وقال مهندس الاتصالات حسن الدسوقي إن جميع أجهزة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها الشركات والمصانع والأفراد ترتكز في عملها على رقائق الذاكرة، مؤكداً أن وصفها بـ"نفط العصر الرقمي" يعود إلى التشابه الوظيفي الكبير بينهما.
وأوضح أن النفط يشغّل المصانع ووسائل النقل والاقتصادات، بينما أصبحت رقائق الذاكرة المشغّل الأساسي للبنية التحتية للاقتصاد الحديث القائم على الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن هذه الرقائق تمثل مساحة التخزين التي تحفظ المعلومات اللازمة لتشغيل الأنظمة الذكية، مشبهاً دورها بذاكرة الإنسان قصيرة المدى التي تحتفظ بالمعلومات المستخدمة بشكل فوري ثم تتخلص منها عند انتهاء الحاجة إليها.
وأشار الدسوقي إلى أن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي يرفع بصورة مباشرة الحاجة إلى رقائق ذاكرة أسرع وأكثر كفاءة، محذراً من أن أي تأخير في تسليمها قد ينعكس سلباً على أداء الأنظمة وقدرتها على معالجة البيانات في الوقت الفعلي، ما قد يؤدي إلى تباطؤ تطوير التطبيقات الذكية وتعطيل بعض المشاريع.
الطاقة لم تعد وحدها معيار القوة
وأكد الدسوقي أن رقائق الذاكرة لن تحل محل النفط بالكامل، لكنها ستتقاسم معه الأهمية الاستراتيجية، موضحاً أن الاقتصاد العالمي يضيف اليوم ركيزة جديدة إلى بنيته، حيث لم تعد الطاقة وحدها العامل المحدد للنمو والإنتاج، بل أصبحت القدرة الحاسوبية عنصراً أساسياً في خلق القيمة الاقتصادية وتعزيز التنافسية.
الإنتاج لا يواكب الطلب
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي جوزيف فرح إن الأسواق باتت تنظر إلى رقائق الذاكرة باعتبارها "عنق الزجاجة" الحقيقي في ثورة الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الطلب المتزايد لا يقابله توسع مماثل في الإنتاج.
وأشار إلى أن إنشاء مصانع جديدة لأشباه الموصلات يتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل والخبرات الهندسية المتخصصة، ما يجعل زيادة الإنتاج أبطأ بكثير من وتيرة نمو الطلب.
سوق تهيمن عليه قلة من الشركات
وأوضح فرح أن صناعة رقائق الذاكرة تختلف عن قطاع النفط الذي يضم عشرات المنتجين حول العالم، إذ تتركز الصناعة في أيدي عدد محدود من الشركات، أبرزها سامسونغ وإس كيه هاينكس ومايكرون.
وأضاف أن صعوبة دخول منافسين جدد بسبب التعقيدات التقنية تمنح هذه الشركات موقعاً قوياً يسمح لها بالسيطرة على السوق خلال السنوات المقبلة.
عقود تمتد لسنوات
واختتم فرح حديثه بالتأكيد على أن رقائق الذاكرة لم تعد مجرد منتج يمكن استبداله بسهولة، بل أصبحت مكوناً استراتيجياً ترتبط قيمته بدوره المحوري في تشغيل وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي دفع الشركات إلى التعامل مع تأمين إمداداتها باعتباره ضرورة تشغيلية لا تقل أهمية عن تأمين الطاقة، وهو ما يفسر الاتجاه المتزايد نحو العقود طويلة الأجل الممتدة لسنوات.





