الولايات المتحدة والصين وروسيا.. حرب إيران تعيد تشكيل خريطة النفوذ العالمي
تسلط دراسة مطوّلة الضوء على التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب الأمريكية على إيران منذ فبراير 2025 في ميزان القوى العالمي، حيث تشير إلى أن الصراع لم يحقق الأهداف الاستراتيجية المعلنة لواشنطن، وفي مقدمتها تغيير النظام الإيراني أو تدمير برنامجه النووي، بينما أدى في المقابل إلى استنزاف قدرات عسكرية أمريكية واسعة، وفتح المجال أمام الصين وروسيا لتعزيز نفوذهما على الساحة الدولية، مع تراجع نسبي في صورة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة.
الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق نتائج حاسمة على الأرض
وتوضح الدراسة أن الولايات المتحدة، رغم انخراطها في صراع مكلف أعاد تركيزها إلى الشرق الأوسط بعيداً عن أولوياتها المعلنة في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، فإنها لم تنجح في تحقيق نتائج حاسمة على الأرض، سواء فيما يتعلق بوقف رعاية إيران للوكلاء المسلحين، أو إنهاء برنامجها النووي، أو تحجيم قدراتها الصاروخية، أو الدفع نحو تغيير النظام في طهران، وهو ما اعتبره خبراء تحدياً مباشراً لمكانة واشنطن الدولية.
ويشير خبراء في الأمن الدولي إلى أن استمرار إيران في الصمود خلال الحرب يخدم مصالح الصين وروسيا، إذ يستهلك قدرات الولايات المتحدة ويشغلها عن ملفات أخرى، ما يمنحهما مساحة أوسع للتحرك في النظام الدولي. وفي المقابل، تبرز الصين كقوة دبلوماسية تسعى لتقديم نفسها كوسيط أكثر توازناً، بينما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الضغوط الدولية المرتبطة بعزلتها.
ويؤكد محللون أن الولايات المتحدة بدأت تستهلك جزءاً كبيراً من مخزونها العسكري خلال العمليات في الشرق الأوسط، بما في ذلك صواريخ بعيدة المدى ومنظومات دفاعية متقدمة، ما أدى إلى تراجع مستويات الجاهزية لمواجهات محتملة في مناطق أخرى مثل المحيطين الهندي والهادئ، وأجبرها على تسريع إنتاج الأسلحة لتعويض النقص.
الصين وروسيا استفادتا سياسيًا واستراتيجيًا عبر الدعم الدبلوماسي
وفي السياق ذاته، تشير الدراسة إلى أن الصين وروسيا لم تتدخلا عسكرياً بشكل مباشر في الحرب، لكنهما استفادتا سياسياً واستراتيجياً عبر الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي غير المباشر، مع إدراكهما أن استمرار استنزاف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يخدم مصالحهما في التنافس طويل الأمد مع واشنطن.
وتلفت التقديرات إلى أن مكانة الولايات المتحدة العالمية تعرضت لضغوط إضافية نتيجة غياب نتائج حاسمة للصراع، ما أضعف بعض مظاهر المصداقية الأميركية، رغم التأكيد على أن واشنطن لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً عالمياً كبيراً وقدرة على حماية حلفائها، إلا أن هامش التحدي أمام خصومها أصبح أوسع.
وفي المقابل، ترى الدراسة أن روسيا، رغم استفادتها من بعض تداعيات الحرب مثل ارتفاع أسعار النفط وتخفيف الضغوط الاقتصادية، لا تزال تواجه تحديات استراتيجية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا وتراجع بعض نفوذها الإقليمي، بينما تواصل الصين توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في الشرق الأوسط، بما في ذلك لعب أدوار وساطة في ملفات إقليمية حساسة.
وتضيف الدراسة أن أحد أبرز تداعيات الحرب يتمثل في تراجع أولوية الشرق الأوسط ضمن الاستراتيجية الأميركية، حيث أعلنت واشنطن في وثائق أمنية حديثة أنها ستعيد تركيزها على مناطق أخرى مثل الأميركتين، في حين تعمل روسيا والصين على توسيع نفوذهما في المنطقة عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية مختلفة.
كما تشير التحليلات إلى أن الحرب ساهمت في زيادة احتمالات إعادة تموضع بعض دول الشرق الأوسط في علاقاتها الدولية، مع اتجاه محتمل لتنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، في ظل تصاعد المخاوف من عدم استقرار السياسة الأميركية.
الانعكاسات الاقتصادية العالمية للصراع
وتتناول الدراسة أيضاً الانعكاسات الاقتصادية العالمية للصراع، حيث يحذر خبراء من أن أي تصعيد إضافي قد يهدد استقرار أسواق الطاقة والنظام المالي العالمي المعتمد على الدولار، مع احتمال تأثيرات طويلة الأمد على سلاسل الإمداد والقوة الشرائية للعملة الأميركية.
وفي جانب آخر، تؤكد التحليلات أن استمرار الحرب يفرض ضغطاً متزايداً على الاقتصاد الأميركي نفسه، من خلال ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم وتراجع ثقة المستهلكين، ما قد ينعكس على قرارات السياسة النقدية وأسعار الفائدة، ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي داخل الولايات المتحدة.
وبحسب الدراسة، فإن روسيا والصين تستفيدان أيضاً من هذه التحولات، حيث تعزز موسكو عائداتها في قطاع الطاقة وتستفيد من تخفيف بعض آثار العقوبات، بينما تعمل بكين على تعزيز مرونتها الاقتصادية عبر تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية.
وتخلص التحليلات إلى أن الحرب على إيران تمثل اختباراً حقيقياً للقيادة الأميركية في النظام الدولي، إذ تجمع بين استنزاف عسكري واقتصادي وضغط سياسي متزايد، في وقت تتقدم فيه الصين وروسيا نحو تعزيز موقعهما كقوتين منافستين في عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار الهيمنة الأميركية، وإنما إعادة تشكيل حدودها ونفوذها وشروطها.





