بعد الموافقة على قانون «حماية المنافسة».. صلاحيات أوسع لضبط السوق ومنع الاحتكار
تشهد الساحة التشريعية في مصر تحركًا متسارعًا نحو إعادة ضبط قواعد السوق، عبر تعديلات قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، التي تناقشها اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب.
ولا تقتصر هذه التعديلات على مجرد تحديث نصوص قانونية، بل تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة الرقابة الاقتصادية، من التدخل بعد وقوع المخالفة إلى رقابة استباقية تستهدف منع الاحتكار قبل حدوثه.
توافق تشريعي بين «النواب» و«الشيوخ»
انتهت اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب من مراجعة المواد من الأولى وحتى العاشرة من مشروع القانون، مع الاستقرار على الإبقاء على التعديلات كما وردت من مجلس الشيوخ، ويكشف هذا التوافق عن حالة من التنسيق التشريعي بين المجلسين، تهدف إلى تسريع إقرار القانون بصيغة متماسكة.
ورغم الجدل الذي دار حول المادة الأولى الخاصة بالتعريفات، خاصة فيما يتعلق بتعدد المصطلحات والتفصيل في النسب، فإن اللجنة رأت أن هذا “الإسهاب” يخدم التطبيق العملي، ويقلل من احتمالات التفسير المتباين للنصوص القانونية.
دقة الصياغة كأداة لضبط السوق
أكدت المناقشات أن التوسع في تعريف المصطلحات داخل القانون ليس عيبًا تشريعيًا، بل أداة لضبط الأداء الرقابي. فكلما كانت المفاهيم محددة بدقة، قلت مساحة الاجتهاد الشخصي، وهو ما يضمن توحيد تطبيق القانون على جميع الكيانات الاقتصادية.
هذا الاتجاه يعكس إدراكًا برلمانيًا لطبيعة الاقتصاد الحديث، الذي يتسم بالتعقيد وتداخل الأنشطة، ما يتطلب نصوصًا قانونية واضحة تحكم العلاقات بين الفاعلين في السوق.
التحول نحو الرقابة الاستباقية
أحد أبرز ملامح التعديلات هو منح جهاز حماية المنافسة صلاحيات رقابية استباقية، خاصة فيما يتعلق بعمليات الاندماج والاستحواذ. وهذا التحول يمثل نقلة نوعية، حيث لم يعد دور الجهاز مقتصرًا على رصد المخالفات بعد وقوعها، بل أصبح شريكًا في تقييم الصفقات الكبرى قبل تنفيذها.
ويهدف هذا التوجه إلى منع تركز الحصص السوقية في أيدي عدد محدود من الشركات، بما يحافظ على التوازن التنافسي ويضمن بقاء السوق مفتوحًا أمام المستثمرين الجدد.
دعم بيئة الاستثمار
تسعى التعديلات إلى تحقيق معادلة دقيقة بين حماية المنافسة وتشجيع الاستثمار. فوجود قواعد واضحة وشفافة يقلل من المخاطر القانونية التي قد تواجه المستثمرين، ويمنحهم ثقة أكبر في السوق المصري.
كما أن منع الممارسات الاحتكارية يسهم في تحسين كفاءة السوق، وخفض الأسعار، وتعزيز جودة المنتجات والخدمات، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المستهلك.
تعزيز أدوات التنفيذ القضائي
في موازاة التعديلات التشريعية، جاء قرار وزير العدل بمنح بعض موظفي جهاز حماية المنافسة صفة مأموري الضبط القضائي، ليشكل ركيزة أساسية لتفعيل القانون على أرض الواقع.
ويمنح هذا القرار الجهاز صلاحيات مباشرة لضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية، بدلًا من الاعتماد الكامل على جهات أخرى، ما يعزز سرعة الاستجابة ويزيد من فعالية الرقابة.
ضبط الهيكل الوظيفي داخل الجهاز
كما شملت التعديلات تنظيم أوضاع أعضاء جهاز حماية المنافسة، من خلال تعديل أسباب انتهاء الخدمة، بما يتماشى مع قانون الخدمة المدنية. ويهدف ذلك إلى تحقيق الانضباط المؤسسي داخل الجهاز، وضمان التزام أعضائه بمعايير الأداء الوظيفي.
هل تنجح التعديلات في كبح الاحتكار؟
تعكس هذه الحزمة من التعديلات توجهًا واضحًا نحو بناء نموذج رقابي حديث، يعتمد على الوقاية بدلًا من العلاج. غير أن نجاح هذا النموذج يتوقف على عدة عوامل، أبرزها: قدرة جهاز حماية المنافسة على استخدام صلاحياته الجديدة بكفاءة، التنسيق بين الجهات الرقابية المختلفة مثل البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية، وسرعة الفصل في القضايا المرتبطة بالممارسات الاحتكارية.
وفي حال تفعيل هذه الأدوات بشكل متكامل، يمكن أن تمثل التعديلات نقطة تحول حقيقية في هيكل السوق المصري، بما يعزز المنافسة العادلة ويحد من هيمنة الكيانات الكبرى.
تؤسس تعديلات قانون حماية المنافسة لمرحلة جديدة في إدارة الاقتصاد المصري، تقوم على الشفافية والانضباط ومنع الاحتكار قبل وقوعه، وبينما تبدو النصوص واعدة، يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق، الذي سيحدد ما إذا كانت هذه التعديلات ستنجح في تحقيق سوق أكثر عدالة وكفاءة.





