الجمعة 06 مارس 2026 الموافق 17 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
توك شو

إعجاز قرآني| ما هو السر العجيب في قصة أم موسى؟.. خالد الجندي يكشف

الخميس 05/مارس/2026 - 08:16 م
الشيخ خالد الجندي
الشيخ خالد الجندي

أكد خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن في القرآن الكريم وجوهًا مدهشة من الإعجاز البلاغي والمعنوي، مشيرًا إلى أن قول الله تعالى: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين» يُعد من الآيات الفريدة التي تجمع بين معانٍ متعددة في تركيب واحد بديع.

وأضاف عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية خلال حلقة خاصة بعنوان حوار الأجيال ببرنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة DMC اليوم الخميس، أن هذه الآية الكريمة تُعد الآية الوحيدة في القرآن التي اجتمع فيها أمران ونهيان وبشارتان في نص واحد؛ فالأمران هما: «أن أرضعيه» و«فألقِيه في اليم»، والنهيان هما: «ولا تخافي» و«ولا تحزني»، أما البشارتان فهما: «إنا رادوه إليك» و«وجاعلوه من المرسلين»، مؤكدًا أن هذا البناء القرآني العجيب يكشف عن دقة مذهلة في التعبير.

وأوضح أن العجيب في الآية ليس فقط هذا البناء البلاغي، بل طبيعة الأمر نفسه، إذ يقول الله لأم موسى: «فألقِيه في اليم»، أي ألقيه في الماء، وهو أمر يبدو في ظاهره شديد الصعوبة على أي أم، بل هو عكس ما تمليه الفطرة الإنسانية التي تدفع الأم إلى حماية طفلها لا إلقائه في النهر، مشيرًا إلى أن لفظ الإلقاء في اللغة يدل على الرمي، وليس مجرد الوضع، ما يزيد من قوة المعنى ويؤكد أن الطفل سيكون في رعاية الله المباشرة.

وأشار إلى أن هذا التكليف جاء في لحظة هي أعلى درجات الارتباط بين الأم ورضيعها، حيث قال تعالى أولًا «أن أرضعيه»، والرضاعة تمثل أقصى درجات الالتصاق بين الأم وولدها، ولذلك قال الله تعالى في موضع آخر: «يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت»، لافتًا إلى أن التعبير بكلمة «مرضعة» هنا له دلالة لغوية دقيقة، إذ إن كلمة «مرضع» قد تُقال لمن عندها طفل ترضعه عمومًا، أما «مرضعة» فتدل على لحظة الإرضاع نفسها حين يكون الطفل ملتصقًا بثدي أمه.

وبيّن أن هذه الدقة اللغوية تُظهر أن القرآن يصور أعلى درجات الارتباط العاطفي بين الأم وولدها، ومع ذلك يأتي الأمر الإلهي: «فإذا خفت عليه فألقيه في اليم»، وهو أمر شديد الصعوبة على النفس البشرية، موضحًا أن أم موسى لم تكن مسلوبة الإرادة ولا فاقدة العقل، بل كانت امرأة عاقلة حكيمة، لكنها امتثلت لأمر الله طاعةً وتسليمًا.

وأشار إلى أن العلماء يفرقون بين الأمر التصريفي والأمر التكليفي، فالأمر التصريفي هو ما يقع خارج إرادة الإنسان كحركة القلب أو طلوع الشمس أو نزول المطر، أما الأمر التكليفي فهو ما يُطلب من الإنسان فعله باختياره، مؤكدًا أن ما حدث مع أم موسى كان تكليفًا إلهيًا لا مجرد تصريف قدر، ولذلك كان امتثالها له دليلًا على قوة الإيمان والتسليم لأمر الله.

وأضاف أن هذا التكليف الشديد في قصة أم موسى يكاد يوازي في شدته ما حدث مع نبي الله إبراهيم حين أُمِر بذبح ابنه، موضحًا أن مثل هذه المواقف العظيمة تكشف عن معاني الطاعة الكاملة لله، حيث يسمع المؤمن أمر ربه فيقول: سمعنا وأطعنا، مهما بدا الأمر شاقًا أو مخالفًا لما تميل إليه النفس البشرية.