الخميس 16 يوليو 2026 الموافق 02 صفر 1448
رئيس التحرير
حازم عادل
عربى ودولى

رغم دعمه غير المسبوق لإسرائيل.. لماذا يواجه ترامب غضب حلفائه في تل أبيب؟

الأربعاء 15/يوليو/2026 - 10:38 م
تحالف المصالح
تحالف المصالح

على مدار ولايته الأولى، رسّخ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مكانته باعتباره أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين دعمًا لإسرائيل، بعدما اتخذ سلسلة من القرارات التي اعتبرتها تل أبيب مكاسب استراتيجية غير مسبوقة، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، إلى الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، فضلًا عن سياسات عززت التقارب بين الجانبين في عدد من ملفات الشرق الأوسط.

لكن المفارقة التي يلفت إليها الصحفي البريطاني ديفيد هيرست تتمثل في أن هذا السجل الحافل بالدعم لم يمنع ترامب من أن يصبح لاحقًا هدفًا لانتقادات حادة من شخصيات إعلامية إسرائيلية محسوبة على اليمين، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين إسرائيل وحلفائها عندما تتغير الحسابات السياسية.

هيرست: الدعم لا يمنح حصانة سياسية

يرى ديفيد هيرست، في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي»، أن التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة، سواء على مستوى الرأي العام أو داخل المشهد السياسي، بدأت تؤثر تدريجيًا في طبيعة العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب.

ويشير إلى أن قطاعات متزايدة من الأمريكيين، خاصة بين الأجيال الشابة، أصبحت أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو ما قد يقود مستقبلًا إلى إعادة النظر في حالة الاستثناء التي تمتعت بها إسرائيل داخل السياسة الأمريكية لعقود.

وبحسب هيرست، فإن المفارقة تكمن في أن ترامب، الذي قدم لإسرائيل ما لم يقدمه كثير من الرؤساء الأمريكيين، لم يسلم هو الآخر من موجة الانتقادات، بما يعكس أن الدعم المطلق لم يعد بالضرورة ضمانة لتحقيق مكاسب سياسية دائمة.

انتقادات من داخل الدائرة المقربة لنتنياهو

ولم تقتصر الانتقادات على خصوم ترامب السياسيين في الولايات المتحدة، بل امتدت إلى عدد من الإعلاميين والمعلقين الإسرائيليين المحسوبين على الدائرة المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

فقد وصف يينون ماغال، مقدم البرامج في القناة 14 الإسرائيلية، ترامب بـ"الخاسر"، كما وجه انتقادات إلى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

وشبّه المعلق السياسي ياكوف باردوغو ترامب ونائبه جيه دي فانس برئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين، في إشارة إلى ما اعتبره سياسة استرضاء تجاه إيران.

كما رأى أميت سيغال، المحلل السياسي في القناة 12 وصحيفة "إسرائيل اليوم"، أن ترامب قدم تنازلات لإيران من خلال السماح لها بتخصيب اليورانيوم.

أما شيمون ريكلين، المذيع في القناة 14، فاعتبر أن الولايات المتحدة أصبحت أضعف من أي وقت مضى، وأن هذا التراجع انعكس على ثقة الحلفاء بها.

ويشير التقرير إلى أن صدور هذه المواقف من شخصيات معروفة بقربها من نتنياهو دفع بعض المراقبين إلى اعتبارها محاولة للضغط السياسي على الإدارة الأمريكية أو للتأثير في بعض توجهاتها.

من التقارب غير المسبوق إلى الانتقادات

وتزداد المفارقة إذا ما قورنت هذه الانتقادات بحجم التقارب الذي شهدته العلاقات الأمريكية الإسرائيلية خلال ولاية ترامب الأولى.

فإلى جانب القرارات السياسية الكبرى، أحاط ترامب نفسه بعدد من الشخصيات المقربة من إسرائيل، وفي مقدمتهم صهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر، الذي لعب دورًا بارزًا في ملفات الشرق الأوسط.

ويرى هيرست أن حجم التنسيق بين الجانبين ظهر بوضوح في عدد من الملفات الأمنية والسياسية، مستشهدًا بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد آنذاك ديفيد برنياع إحاطة داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض قبل قرار توجيه ضربة لإيران، باعتبار ذلك مؤشرًا على مستوى غير مسبوق من التنسيق بين البلدين.

هل يتكرر المشهد تاريخيًا؟

ولا ينظر هيرست إلى ما يحدث باعتباره حالة استثنائية، بل يربطه بسوابق تاريخية شهدت توترًا في علاقة الحركة الصهيونية أو الحكومات الإسرائيلية بحلفائها عندما اختلفت المصالح.

ويستعرض مثال العلاقة مع بريطانيا خلال سنوات الانتداب، إذ تصاعد الخلاف بعد رفض لندن توسيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ما أدى إلى تنفيذ منظمات يهودية مسلحة عمليات ضد القوات البريطانية بين عامي 1945 و1948، كان أبرزها تفجير فندق الملك داود عام 1946.

كما يشير إلى أن الخلافات لم تقتصر على بريطانيا، إذ شهدت العلاقات مع إدارات أمريكية متعاقبة توترات أيضًا، رغم حجم الدعم الذي قدمته تلك الإدارات لإسرائيل.

ففي عهد الرئيس باراك أوباما، الذي وقع أكبر اتفاق للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، انتقد المؤرخ الإسرائيلي آفي شليم طريقة تعامل بنيامين نتنياهو مع الإدارة الأمريكية، معتبرًا أن الخلافات حول الاتفاق النووي الإيراني أضرت بالعلاقات بين البلدين.

كما تعرض الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، رغم مواقفه الداعمة لإسرائيل، لانتقادات من داخل إسرائيل، إذ وصف الجنرال الإسرائيلي عاموس جلعاد توبيخ نتنياهو لبايدن بأنه خطأ استراتيجي يعكس سوء تقدير لطبيعة العلاقة مع الحليف الأمريكي.

تحالفات تحكمها المصالح

ويخلص التقرير إلى أن تجربة ترامب تعكس طبيعة العلاقات السياسية بين الدول، حيث لا تكفي سنوات الدعم أو القرارات التاريخية لضمان استمرار التوافق عندما تتغير الحسابات أو تتباين المصالح.

فالرئيس الأمريكي الذي اعتُبر يومًا أحد أكثر الرؤساء قربًا من إسرائيل، أصبح لاحقًا هدفًا لانتقادات من شخصيات كانت تُعد من أكثر الأصوات تأييدًا له، في مشهد يعيد طرح تساؤلات حول حدود التحالفات السياسية، ومدى قدرتها على الصمود عندما تتغير الأولويات.