السبت 04 يوليو 2026 الموافق 19 محرم 1448
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

انتكاسة كبيرة لطموحات فرنسا في مجال التصنيع الدفاعي.. ما القصة؟

الجمعة 03/يوليو/2026 - 11:07 م
 مصنع فوندري دو بريتاني
مصنع "فوندري دو بريتاني"

واجهت جهود فرنسا الرامية إلى التوسع السريع في الإنتاج المحلي للذخيرة انتكاسةً كبيرةً بعد إعلان شركة "يوروبلازما" (Europlasma) عن وضع مصنع "فوندري دو بريتاني" (Fonderie de Bretagne) -وهو مصنع سابق لسبك قطع غيار السيارات يجري تحويله إلى منشأة لإنتاج أغلفة قذائف المدفعية- تحت الحماية القضائية.

ويأتي هذا الإعلان، الذي نقلته وكالة "رويترز"، في وقت تعمل فيه فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون على تسريع وتيرة الإنتاج الدفاعي استجابةً للتوترات الجيوسياسية المتزايدة والطلب العسكري المتنامي في جميع أنحاء القارة.

وتهدف عملية الحماية القضائية إلى منح الشركات التي تعاني من ضائقة مالية فرصةً لإعادة الهيكلة مع مواصلة عملياتها، إلا أنها تسلط الضوء أيضاً على التحديات المالية التي تواجه واحداً من أكثر مشاريع التصنيع الدفاعي في فرنسا متابعةً واهتماماً.

من قطع غيار السيارات إلى قذائف المدفعية

يقع مصنع "فوندري دو بريتاني" في غرب فرنسا، وقد أُسس في الأصل كمسبك لإنتاج مكونات الحديد المصبوب لصناعة المركبات.

وبعد سنوات من الصعوبات المالية، استحوذت عليه مجموعة "يوروبلازما" الصناعية الفرنسية المتخصصة في التقنيات البيئية والتصنيع الاستراتيجي. وجاءت عملية الاستحواذ هذه كجزء من خطة طموحة لتحويل المنشأة إلى مورد رئيسي للصناعة الدفاعية الفرنسية المتنامية.

وقد مثّل المشروع واحدةً من أبرز مبادرات التحول الصناعي في البلاد، حيث انتقل الإنتاج من مكونات السيارات المدنية إلى المعدات العسكرية، وذلك في ظل التركيز الأوروبي المتجدد على التصنيع الدفاعي.

خطط لإنتاج 250 ألف غلاف قذيفة

عقب عملية الاستحواذ، أعلنت "يوروبلازما" عن خطط لتصنيع ما يصل إلى 250 ألف غلاف لقذائف المدفعية سنوياً بحلول نهاية عام 2025.

ولدعم عملية التحول هذه، حصل المشروع على قرض عام بقيمة 7 ملايين يورو (حوالي 8 ملايين دولار) من الحكومة الفرنسية. وكان الهدف من هذا التمويل تغطية تكاليف أعمال التحديث، وشراء معدات إنتاج جديدة، وتمويل الانتقال نحو التصنيع العسكري.

وقد عكس هذا الاستثمار استراتيجية فرنسا الأوسع لإعادة بناء قدراتها المحلية في إنتاج الذخيرة، وذلك بعد سنوات من تراجع الإنتاج الصناعي في قطاع الدفاع.


ركيزة أساسية في مساعي أوروبا لإعادة التسلح

أصبح تحوّل منشأة "فوندري دو بريتاني" (Fonderie de Bretagne) رمزاً لجهود أوروبا الأوسع نطاقاً لتعزيز التصنيع الدفاعي، وذلك في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.

وقد عمدت الحكومات في جميع أنحاء أوروبا إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل ملحوظ، مع السعي في الوقت ذاته إلى تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين للحصول على الذخيرة والمعدات الدفاعية.

وعلى وجه الخصوص، وضعت فرنسا توسيع الإنتاج المحلي لقذائف المدفعية وغيرها من العتاد العسكري على رأس أولوياتها، وذلك لتلبية متطلبات الدفاع الوطني والطلب المتزايد من الدول الحليفة.

مفاوضات جارية لبيع قطاع الدفاع

في أبريل 2026، أعلنت شركة "يوروبلازما" (Europlasma) عن دخولها في مفاوضات حصرية مع مستثمر فرنسي بشأن بيع قطاع الدفاع التابع لها.

وتشمل الصفقة المقترحة كلاً من "فوندري دو بريتاني" و"فورج دو تارب" (Forges de Tarbes)؛ وهي شركة تصنيع استراتيجية أخرى تنتج هياكل القذائف التي تُورَّد إلى مجموعة "KNDS France" الدفاعية (المشروع المشترك الفرنسي الألماني)، وهي الجهة المصنعة لنظام المدفعية ذاتية الدفع "قيصر" (CAESAR)، الذي يُعد أحد أكثر أنظمة المدفعية استخداماً في أوروبا.

وقد قدّرت "يوروبلازما" قيمة الصفقة المقترحة بنحو 150 مليون يورو.

كان من المقرر في الأصل أن تنتهي المرحلة الأولى من المفاوضات في شهر مايو، لكن الموعد مُدِّد لاحقاً حتى 25 يونيو، حيث أفادت الشركة بأن المناقشات مع المستثمر المحتمل لا تزال مستمرة.

تحديات مالية رغم الدعم الحكومي

على الرغم من تلقي الدعم المالي العام وجذب اهتمام المستثمرين، واصل المصنع مواجهة صعوبات تشغيلية ومالية.

وكان الإنتاج قد توقف بالفعل إثر حريق اندلع في وقت سابق من العام، مما أدى إلى تأخير عملية التحول الصناعي للموقع وزيادة الضغوط على جهود إعادة الهيكلة التي تبذلها الشركة.

وتسلط أحدث قرارات الحماية القضائية الضوء على التحديات المعقدة المرتبطة بتحويل منشآت التصنيع التقليدية إلى مراكز متطورة للإنتاج الدفاعي، لا سيما في ظل تزايد الطلب على المعدات العسكرية بسرعة في جميع أنحاء أوروبا.

تداعيات ذلك على قطاع الصناعات الدفاعية في فرنسا

تثير الصعوبات التي تواجهها شركة "فوندري دو بريتاني" (Fonderie de Bretagne) تساؤلات أوسع نطاقاً حول الوتيرة التي يمكن لفرنسا من خلالها إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية.

وفي حين يظل الدعم الحكومي والاستثمار الخاص ركيزتين أساسيتين في استراتيجية البلاد لإعادة التسلح، فإن التجربة تُظهر أن توسيع نطاق إنتاج الذخيرة لا يتطلب موارد مالية فحسب، بل يستلزم أيضاً عمليات صناعية مستقرة، ومعدات حديثة، وجدوى تجارية على المدى الطويل.

ومع استمرار أوروبا في ضخ استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها الدفاعية، من المرجح أن تحظى جهود إعادة الهيكلة التي تبذلها شركة "يوروبلازما" (Europlasma) بمتابعة دقيقة؛ باعتبارها مؤشراً على قدرة فرنسا على تعزيز قطاعها الصناعي الاستراتيجي.