الثلاثاء 30 يونيو 2026 الموافق 15 محرم 1448
رئيس التحرير
حازم عادل
اقتصاد وبورصة

الصناعة المصرية بعد 30 يونيو.. طفرة في الصادرات وجذب الاستثمارات وتوسيع التصنيع المحلي

الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 02:28 م
منطقة صناعية - صورة
منطقة صناعية - صورة أرشيفية

منذ ثورة 30 يونيو، حوّلت مصر قطاعها الصناعي إلى أحد الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي من خلال استراتيجية طموحة تركز على توطين الصناعة، وتوسيع نطاق الصادرات، ومشاركة القطاع الخاص، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. 

وقد ساهمت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الصناعية، والمناطق الصناعية المتكاملة، وشبكات الخدمات اللوجستية، والإصلاحات التنظيمية، في جعل قطاع التصنيع محركاً رئيسياً للتنمية المستدامة.

وعقب تعيينه في فبراير 2026، أكد وزير الصناعة خالد هاشم مجدداً أن التنمية الصناعية تظل أولوية وطنية. وأعلن أن الوزارة تنفذ استراتيجية محدّثة للتنمية الصناعية تهدف إلى زيادة الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوسيع الصادرات، ودمج الصناعات المصرية في سلاسل القيمة العالمية، وتقليل الاعتماد على الواردات من خلال تعميق توطين التصنيع.

الصادرات الصناعية تسجل مستويات قياسية

سجلت الصادرات الصناعية وغير النفطية المصرية نمواً غير مسبوق على مدار العقد الماضي، مما يعكس توسع القاعدة التصنيعية للبلاد وتحسن قدرتها التنافسية.

ووفقاً لأحدث الإحصاءات الحكومية الرسمية، بلغت قيمة الصادرات المصرية غير النفطية نحو 48.57 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مقارنة بـ 41.51 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يمثل معدل نمو سنوي يقارب 17%، ويُعد أعلى قيمة للصادرات في تاريخ البلاد.

وقد جاءت المنتجات الهندسية، والكيماويات، ومواد البناء، والملابس الجاهزة، والصناعات الغذائية، والمستحضرات الدوائية، والمنسوجات، والأجهزة الكهربائية ضمن القطاعات التصديرية الأقوى أداءً، مستفيدةً من توسع القدرات الإنتاجية وتحسن فرص النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

توطين الصناعات الاستراتيجية

تركز الاستراتيجية المحدثة لوزارة الصناعة على توطين الصناعات التي تحقق قيمة مضافة عالية وتقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة. 

وتشمل القطاعات ذات الأولوية: تصنيع السيارات، والأجهزة الكهربائية، والصناعات الهندسية، والمستحضرات الصيدلانية، والإلكترونيات، والمنسوجات، والملابس الجاهزة، والصناعات الغذائية.

كما تدعم الاستراتيجية نقل التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي والتصنيع المتقدم، مع تشجيع تعزيز الشراكات بين المصنعين المحليين والشركات الصناعية العالمية.

وقد أكد الوزير خالد هاشم أن توسيع نطاق التصنيع المحلي يُعد أمراً جوهرياً لزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل للعمالة الماهرة، وتعزيز سلاسل التوريد، وتحسين القدرة التنافسية للصناعة المصرية.

استمرار تدفق استثمارات الشركات المصنعة العالمية إلى مصر

أصبحت مصر مركزاً صناعياً متزايد الجاذبية للشركات العالمية التي تسعى للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.

ومن أبرز الاستثمارات الأخيرة، استثمارات شركة "بوش" (Bosch) الألمانية، التي افتتحت أول مصنع لها للأجهزة المنزلية في مصر بمدينة العاشر من رمضان، باستثمارات بلغت نحو 55 مليون يورو. 

وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمنشأة حوالي 350 ألف موقد غاز سنوياً، حيث يخصص نحو 50% من الإنتاج للتصدير، مع توقعات بارتفاع نسبة المكون المحلي لتصل إلى حوالي 70% خلال السنوات المقبلة.

كما وسع المصنعون الصينيون حضورهم الصناعي بشكل ملحوظ؛ فقد أنشأت شركة "هاير" (Haier) أحد أكبر مجمعاتها الإنتاجية للأجهزة المنزلية في مصر لخدمة الأسواق المحلية وأسواق التصدير، بينما توسعت شركة "هايسنس" (Hisense) في عمليات التصنيع لإنتاج أجهزة التلفزيون والأجهزة الكهربائية الموجهة إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتواصل الاستثمارات التركية لعب دور رئيسي في التوسع الصناعي المصري حيث أطلقت شركة "بيكو" (Beko) منشأتها التصنيعية في مدينة العاشر من رمضان، وأعلنت شركة "إيلا" للمنسوجات (Ella Textile) عن إنشاء مصنع للملابس باستثمارات تبلغ 16.5 مليون دولار في المنطقة الصناعية بغرب القنطرة.

 ومن المتوقع أن يصل إنتاجه السنوي إلى 7 ملايين قطعة ملابس يصدّر منها نحو 80% - مما يوفر حوالي 2500 فرصة عمل مباشرة. كما تواصل شركة التطوير الصناعي التركية "بولاريس باركس" (Polaris Parks) توسيع نطاق المناطق الصناعية المتكاملة التي تضم عشرات الشركات المصنعة.

وعلاوة على ذلك، وسّعت الشركات الهندية استثماراتها في مجالات الأدوية والكيماويات ومكونات السيارات والصناعات الهندسية والمنسوجات، مما يعكس التعاون الصناعي المتنامي بين مصر والهند ويدعم طموح مصر في التحول إلى منصة إقليمية للتصنيع والتصدير.

البنية التحتية الصناعية ومناخ الاستثمار

حظيت التنمية الصناعية بدعم كبير بفضل التحسينات الملموسة في مناخ الاستثمار في مصر؛ حيث عملت الحكومة على زيادة مساحات الأراضي الصناعية المجهزة بالخدمات، وتسريع إجراءات التراخيص، واستحداث "الرخصة الذهبية" للمشاريع الاستثمارية الاستراتيجية، فضلاً عن مواصلة تطوير المدن الصناعية والمناطق التصنيعية المتخصصة.

و ساهم التحول الرقمي في تبسيط الخدمات المقدمة للمستثمرين، كما تم طرح آليات تمويلية جديدة ومبادرات للاستثمار الصناعي لدعم المصنعين، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وتعمل وزارة الصناعة أيضاً على تعزيز التكامل بين الموردين المحليين والشركات المصنعة متعددة الجنسيات، وذلك بهدف زيادة القيمة المضافة المحلية وتحسين مكانة مصر ضمن شبكات الإنتاج العالمية.

التصنيع كمحرك للتوظيف والنمو المستدام

يواصل القطاع الصناعي توفير الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، مع دعم التطور التكنولوجي والابتكار الصناعي. وقد ركزت السياسات الأخيرة على تحديث تقنيات الإنتاج، وزيادة المكون المحلي، وتحسين جودة المنتجات، ورفع كفاءة القوى العاملة.

وتحدد استراتيجية التنمية الصناعية المحدثة في مصر سبعة قطاعات ذات أولوية -وهي الصناعات الهندسية، والأجهزة الكهربائية، وصناعة السيارات، والإلكترونيات، والصناعات الدوائية، والمنسوجات والملابس، والصناعات الغذائية- باعتبارها المحركات الرئيسية للنمو الصناعي المستقبلي.

الآفاق المستقبلية في الصناعات المصرية

بعد مرور أكثر من عقد على أحداث 30 يونيو، برز القطاع الصناعي المصري كواحد من أبرز قصص النجاح الاقتصادي في البلاد؛ إذ ساهم الأداء القياسي للصادرات، وتوسع الاستثمارات الأجنبية، وتوطين الصناعة، والإصلاحات المستمرة في السياسات، في تعزيز القدرات التصنيعية بشكل كبير.

وفي المرحلة المقبلة، تهدف وزارة الصناعة إلى تعميق توطين الصناعة في القطاعات الاستراتيجية، وجذب المزيد من الشركات المصنعة العالمية، وتوسيع نطاق الاستثمارات الصناعية، وزيادة الصادرات بشكل ملحوظ في إطار "استراتيجية التنمية الصناعية 2030".

وبفضل ما تتمتع به مصر من بنية تحتية حديثة، وتكاليف إنتاج تنافسية، وموقع جغرافي استراتيجي، واتفاقيات تجارية تفضيلية، فإنها تعزز مكانتها بشكل متزايد كواحدة من أهم مراكز الصناعة والتصدير في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.