الاسم ضياء.. والفعل عتمة
سألني صديق محبط ومهموم بعد أن طالع قائمة ال 22 التي تم الإعلان عنها كمستشارين ومنسقين في وزارة الدولة للإعلام: ما الذى كانت ستسخره مصر لو لم يكن فيها ضياء رشوان؟
قلت له وأنا أحاول أن أعالجه من همومه واحباطه: قولا واحدا.. لن تخسر شيئا.
قبل ثورة يناير 2011 كان ضياء رشوان اسما معروفا بحكم عمله في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، يكتب في الصحف، يتحدث في القنوات الفضائية، صاحب نشاط نقابي، وخبير في الحركات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان، وكانت له علاقات جيدة بقيادات الجماعة، وكان يبدو متفاعلا معهم للدرجة التي تجعلك تشك أنها كان متعاطفا مع مشروعهم.. وربما لا يزال.
ينادى البعض ضياء رشوان ب" الدكتور ضياء".
رغم أن مبلغى علمى أنه لم يحصل على الدكتوراه، ولم يحصل حتى على الماجستير، ولم يستطع أن يستكمل دراساته في باريس التي سافر إليها على حساب الأهرام، لأنه لم يستطع إجادة اللغة الفرنسية التي كان يجب أن يدرس بها هناك.. لكن ولأنه كله عند العرب صابون.. فكل من يستطيع أن يكتب كلمتين أو يقول كلمتين أصبح في بلدنا دكتور.
بعد الثورة ركب ضياء رشوان الصاروخ، يخرج من منصب إلى منصب، وينتهى من مهمة ليبدأ مهمة أخرى.
أصبح نقيبا للصحفيين، وخرج من النقابة ليتولى مسئولية الهيئة العامة للاستعلامات، وكان اختياره لهذا المنصب غامضا ومريبا في آن، فلم تكن لديه مؤهلات تجعله صالحا لإدارة الهيئة، وخلال رئاسته للهيئة أدار الحوار الوطني، الذى جعل منه حالة حوار مستمرة دون مخرجات حقيقية، وبينما هو يدير الحوار أصبح فجأة قيادة مهمة في حزب الجبهة الوطنية، وخرج يتحدث باسمه، وعندما تحدث ارتكب جرما عندما قال أن الحزب لن يوزع بطاطين وكراتين في اتهام واضح للأحزاب الأخرى، وبما يعكس عدم قدرته على التصدي للعمل السياسي.
أخفق ضياء رشوان في كل المهمات التي تصدى لها، أو على الأقل لم ينجح النجاح المطلوب، ولم يحقق الأهداف التي وضعت له، وكان طبيعيا بعد كل هذه الإخفاقات أن يجلس في بيته، لكنه في غمضة عين وعلى حين غفلة من الزمن أصبح وزيرا.
كان توصيف ضياء هو وزير دولة للإعلام، وزير بلا حقيبة كما كان سلفه أسامة هيكل، لكنه لم يقنع بنصيبه.
قبل إعلان أسماء الوزراء رسميا في التغيير الأخير، سرب عبر أصدقاء له أنه وزير إعلام وليس وزير دولة، في محاولة للتأكيد أنه وزير كامل – الدسم - الصلاحيات، وبعد أن تم الإعلان رسميا أنه وزير دولة فقط، لم يعتذر.
ما يضحكك رغم أنه يجب أن يبكيك أن الوزير الذى جاء في مهمة لإعادة الإعلام إلى سابق بريقه، بدأ عمله بجريمة إعلامية متكاملة الأركان وهى ترويجه لأخبار كاذبة عن نفسه.
وما يضحكك رغم أنه يجب أن يبكيك أن أحدا لم يسأله عما فعله.. ولم يعاقبه أحد على ما فعله.
ولأنه وزير بلا حقيبة، منزوع الصلاحيات، بحث عن عمل يقوم به مستندا إلى خطاب تكليفه الرسمي، وبدلا من أن يلتفت للمشاكل الفعلية التي يعانى منها الإعلام بسبب الحكومة وأداءها وإدارتها لعلاقتها مع الصحفيين والإعلاميين، حول المقر الذى حصل عليه في الهيئة العامة للاستعلامات – مقر عمله السابق – إلى مكلمة، بحجة أنه يسعى إلى رصد مشاكل وأزمات الإعلام حتى يبدأ في حلها، رغم أنك لو سألت طالب في أولى كلية إعلام عن المشاكل، فسيقوم بسردها عليك دون تفكير، لكن ولأن ضياء يدمن الجلسات المطولة، فقد واصل الحديث الممتد الذى يتمدد به في الفراغ.
ثم جاءت النكتة الكبرى، وهو الإعلان عن تعيين 22 مستشارا ومنسقا في وزارة الدولة والإعلام، وهم بالمناسبة عناصر لهم تاريخهم الذى نحترمه وكفاءتهم التى نقدرها، ولا يمكن أن نختلف عليهم.
لكن السؤال: هل يحتاج العمل الإعلامي في مصر إلى كل هذا العدد؟ هل يمكن أن يقول لنا ضياء رشوان ما هي وظيفة هؤلاء بالتحديد؟ كل صباح عندما يذهبون إلى مكاتبهم في الوزارة ما هو العمل الذى سيباشرونه؟ أم أنها سيعملون " أون لاين" تأسيا بمنهج الحكومة الجديد؟
يعرف ضياء رشوان أن الخريطة الإعلامية في مصر معقدة، وبدلا من أن يساهم في تفكيك هذا التعقيد، بدأ يزيده بإضافة أسماء ومناصب إلى هذه الخريطة، وكل اسم يحمل على كتفيه صفة سيتحدث بها، تمنحه شرعية الإفتاء في شئون الإعلام ومشاكله وحلولها.. وسنجد أنفسنا أمام مكلمة جديدة برعاية ضياء رشوان.. الراعي الرسمي لكل المكلمات في مصر.
ما لفت انتباهي في تعليقات الناس على مستشارين ومنسقين وزارة ضياء رشوان، أنهم لم يسألوا عن وظيفتهم، ولا عن الدور الذى يمكن أن يقوموا به، ولا عن مدى قدرتهم على المساهمة في حل مشاكل الإعلام التي أصبحت مثل الشبح يطارد الجميع دون أن نعرف لا حجمه ولا حقيقته، ولكن الجميع يسألون عن المقابل الذى سيحصل عليه هؤلاء؟.. وهل يتناسب ذلك مع ما تعلنه الحكومة من ترشيد نفقات.
أحد المقربين من وزارة الدولة للإعلام صرح لمن سألوه المستشارين والمنسقين سيحصلون على الحد الأقصى للأجور، ومعنى ذلك أن ال22 مستشارا ومنسقا سيحصلون على ما يزيد عن مليون جنيه شهريا.
لكن الحقيقة والتي عرفتها أن ضياء رشوان عندما عرض على بعض الأسماء التي جاءت في القائمة مناصبهم الفخمة الضخمة، قال لهم أن المقابل الذى ستدفعه الوزارة هو 20 ألف جنيه فقط، على الرغم من أن هناك آخرين عرض عليهم مبالغ أكبر، وقد قبل الجميع المهمة، مرددين أنه لن يشغلهم المقابل المادي، بقدر ما يهمهم ما سيقدمونه للإعلام المصري.. فهم يعملون من أجل مصر.. وياحبيبتي يا مصر.. يا مصر.
معنى ذلك ببساطة أن السادة المستشارين والمنسقين يعملون الآن وهم يشعرون أنهم يجاملون الدولة، أصحاب فضل عليها وعلينا، هذا في الوقت الذى لا نعرف فيه على وجه التحديد ما الذى يمكن أن يقدموا أو يساهموا به في مسيرة الإعلام المصري.
عندما جاء ضياء رشوان إلى وزارة الدولة للإعلام، حاولنا أن ننسى تجاربه السابقة.
قلنا: لماذا لا يحصل على فرصة جديدة، لعل الله يجعل مهمته الجديدة ضياء مثل اسمه؟
لكن التجربة أثبتت أن وزير الدولة للإعلام لم يخلف وراءه إلا العتمة، التي نعتقد أنها ستطول.
سيسعى ضياء رشوان خلال الأيام القادمة إلى محاولة تلميع قائمة المستشارين والمنسقين، سيتحدث عن أهميتهم وضرورة وجودهم، وسيبرر اختياره لهم، وستمر الأيام دون أن يكون لوجودهم أي فرق، ليس لأنهم غير مؤهلين، ولكن لأن المنظومة العامة لن تسمح لهم بشئ، وستصبح هذه القائمة مجرد ذكرى كما أصبحت لجنة تطوير الإعلام التي شارك ضياء رشوان فيها، وكما أصبح الحوار الوطني الذى كان يديره ضياء أيضا.. ويا مصر كم فيك مما يضحكنا.. رغم أنه قولا وفعلا يجب أن يبكينا.





