الثلاثاء 09 يونيو 2026 الموافق 23 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
اسرائيليات

“لم نرَ طائرة مدنية واحدة”… كيف ابتلعت الطائرات الأمريكية مطار بن جوريون؟

الأربعاء 27/مايو/2026 - 10:17 م
إسرائيل
إسرائيل

في مشهد وُصف بأنه “سريالي”، تتصاعد داخل إسرائيل حالة من الغضب والجدل بشأن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في مطار بن غوريون، البوابة الجوية الدولية الرئيسية للبلاد، والذي تحوّل عمليًا إلى مساحة شبه عسكرية تعج بطائرات التزود بالوقود، على حساب الحركة المدنية المعتادة.

وبحسب مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي يانير كوزين، الذي رافق الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في رحلة جوية، فإنه عند هبوطه في المطار “لم يرَ طائرة مدنية واحدة”، بل طائرات عسكرية أمريكية فقط، في مشهد وصفه بأنه غير مسبوق ويعكس حجم التحول الذي طرأ على المطار.

ومنذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبراير/شباط 2026، أصبح مطار بن غوريون يبدو أقرب إلى قاعدة جوية، مع تكدس طائرات التزود بالوقود التابعة للقوات الجوية الأمريكية، الأمر الذي دفع مديري شركات الطيران إلى الحديث عن “خنق” للحركة الجوية المدنية وتراكم خسائر تشغيلية.

وبحسب تقارير تحليل صور الأقمار الاصطناعية، تم رصد ما لا يقل عن 50 طائرة تزود بالوقود عسكرية أمريكية في مايو/أيار، مقارنة بنحو 36 طائرة في أوائل مارس/آذار، ثم 47 خلال فترة وقف إطلاق النار مطلع أبريل/نيسان، وصولًا إلى نحو 52 طائرة في ذروة الرصد لاحقًا. كما أشارت تقارير عسكرية إلى أنه قبل الحرب كان عدد هذه الطائرات يقارب 14 طائرة فقط.

وفي ظل امتلاء مطار بن غوريون، تم نقل 12 طائرة إلى مطار رامون جنوبًا، لكن الأزمة امتدت إليه لاحقًا أيضًا، بعد أن بدأ يستقبل هو الآخر ما لا يقل عن 10 طائرات تزود بالوقود.

كما كشفت بيانات “فلايت رادار 24” أن الطائرات العسكرية الأمريكية شكّلت نحو 32.4% من إجمالي الطائرات في أوقات الرصد، متجاوزة حتى أسطول شركة “إل عال” الإسرائيلي، في مؤشر يعكس حجم التحول غير المعتاد في طبيعة استخدام المطار.

لماذا مطار بن غوريون؟

تتعدد التفسيرات وراء اختيار مطار بن غوريون ليكون مركزًا لهذه العمليات. فبحسب موقع “آرمي ريكوجنيشن”، يعود ذلك إلى موقعه الاستراتيجي، وطول مدارج الهبوط، وسعة تخزين الوقود، بالإضافة إلى تكامله مع منظومات القيادة الإسرائيلية.

في المقابل، يرى بعض الباحثين العسكريين أن السبب يرتبط أيضًا بتضرر قواعد جوية إسرائيلية مثل نيفاتيم وتل نوف نتيجة القصف، ما دفع إلى الاعتماد على البنية المدنية كبديل مؤقت أو اضطراري.

وتشير التقديرات إلى أن هذا التكدس عزز القدرات اللوجستية الأمريكية بشكل كبير، إذ وفرت هذه الطائرات أكثر من 2.5 مليون كيلوغرام من الوقود الجوي خلال ذروة العمليات في مارس/آذار.

أزمة تمتد إلى الطيران المدني

لم تتوقف تداعيات الوضع عند الجانب العسكري، بل امتدت إلى قطاع الطيران المدني، حيث سجل مطار بن غوريون انخفاضًا حادًا في حركة المسافرين خلال أبريل/نيسان، إذ لم يتجاوز العدد نصف مليون راكب، بتراجع يفوق 73% مقارنة بالعام الماضي.

كما انخفضت الرحلات الدولية بنسبة 66.67%، وتراجعت حركة الشحن بنسبة 26.8%، بينما خسرت شركة “إل عال” نحو 68% من ركابها، وسط تقارير عن إحالة نحو 200 موظف إلى إجازة دون راتب.

وتحدث مسؤولون في قطاع الطيران عن أزمة في توفر مواقف الطائرات، حيث لا يُسمح لبعض الشركات إلا بعدد محدود من أماكن المبيت، ما اضطر بعضها إلى ركن طائرات في مطارات خارجية مثل روما واليونان وقبرص، لإبقاء جداول التشغيل قائمة.

“مطار عسكري” بواجهة مدنية

في خضم هذا الوضع، تصاعدت الانتقادات داخل إسرائيل، حيث أشار مدير سلطة الطيران المدني شموئيل زكاي إلى أن مطار بن غوريون “تحول إلى مطار عسكري مع نشاط مدني محدود”، محذرًا من تأثير ذلك على أسعار التذاكر وسلامة التشغيل.

كما طالبت وزيرة النقل بإخلاء جزء من الطائرات الأمريكية من المطار وإعادتها إلى القواعد العسكرية، في محاولة لإعادة التوازن إلى الحركة الجوية المدنية.

جدل قانوني وأمني

على المستوى القانوني، حذر خبراء في القانون الدولي من أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية قد يغيّر من وضعها القانوني، وقد يجعلها عرضة للتصنيف كأهداف عسكرية محتملة وفق قواعد النزاعات المسلحة، مع التأكيد على ضرورة تجنب وضع أهداف عسكرية داخل مناطق مدنية مكتظة.

وفي الداخل الإسرائيلي، حذر ناشطون قانونيون من أن غياب قرار رسمي واضح بشأن هذا التحول قد يفتح الباب أمام جدل قانوني واسع حول طبيعة استخدام المطار في ظل الظروف الحالية.

وبينما يتواصل الجدل، يبقى مطار بن غوريون في قلب أزمة مركبة، تجمع بين الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والقانونية، في مشهد غير مسبوق يعيد تعريف وظيفة أحد أهم المطارات في المنطقة.