عودة لزمن "بنت جبيل"
بيروت هى عاصمة الدولة اللبنانية كما يعلم الكافة ، لكن "بنت جبيل" فى الجنوب اللبنانى هى عاصمة العاصمة ، "بنت جبيل" هى عنوان لبنان الحقيقى اليوم وغدا ، هى فى التقسيم الإدارى اللبنانى توصف بالمدينة ، وإن كانت فى المعايير الدولية مجرد قرية ، يزيد عدد سكانها قليلا على خمسة آلاف ، وقد ظلت لأسابيع طويلة شوكة فى حلق الغزو "الإسرائيلى" الجديد بعشرات الآلاف من الجنود وفرق النخبة ، واستمات العدو "الإسرائيلى" فى محاولات السيطرة عليها من جديد ، ليس فقط لأهميتها الظاهرة فى مناطق جنوب نهر "الليطانى" ، بل لطابعها الرمزى الناطق ، فمن قلب ملعبها ، أعلن الشهيد "حسن نصر الله" نصره العزيز ، وأعلن أن كيان الاحتلال "الإسرائيلى" أوهى من بيت العنكبوت ، وها هو "نصر الله" يعود من جديد ، وكأنه قام من قبره ، ويشد على أيادى بضعة مقاتلين من "حزب الله" فى "بنت جبيل" ، صنعوا ويصنعون بصمودهم أسطورة حية ، وكبدوا ويكبدون جيش الاحتلال خسائر فادحة فى الدبابات والجنود والضباط ، وكأنهم يقولون للراحل الشهيد من وراء الحجب ، أن غرسك قد أثمر ياسيد شهداء الأمة ، وأن قوة لبنان فى مقاتليه الأشداء ، وليس فى مفاوضات الخزى والعار فى مقر الخارجية الأمريكية بواشنطن ، ولا فى التقاط الصور التذكارية مع "ماركو روبيو" وزير الخارجية الأمريكي الباهت ، ولا فى المفاوضات المباشرة التى يعد لها فى عواصم أخرى بين حكومة لبنان و"إسرائيل" ، التى دعت حكومة لبنان للقتال معا ضد ما أسمته احتلال "حزب الله" الإيرانى ، وكأن الآيات انقلبت ، وتحول المحرر إلى صفة المحتل ، فحزب الله هو الذى حرر الجنوب اللبنانى بعد احتلال دام لنحو عقدين ، بدأ باجتياح بيروت نفسها فى حملة الجنرال "شارون" عام 1982 ، وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية ، ونشأة جماعات المقاومة الوطنية اللبنانية ، وإسقاط ما أسمى اتفاق 17 مايو 1983 مع "إسرائيل" ، ونشأة جماعة "حزب الله" وتفردها تقريبا بالمقاومة فى الجنوب ، الذى تراجع إليه الاحتلال ، وخوضه حرب عصابات طويلة المدى توجت بانسحاب العدو بغير قيد ولا شرط من كامل الجنوب ، الذى عادت "إسرائيل" لغزوه ، فى حرب 2006 ، ولحقت بها الهزيمة والعار نفسه مجددا.
وأعلن "نصر الله" الأمين العام التاريخى لحزب الله نصر لبنان الباهر من "بنت جبيل"، نفس البقعة التى خاطبها مؤخرا "نبيه برى" رئيس مجلس النواب اللبنانى وابن الجنوب بعبارات وجدان مؤثرة ، قال فيها "بنت جبيل التى تعلمت فيها الوقت والمسافة والصبح والحياة والأناشيد والحرية والوحدة والعروبة وفلسطين والمدى والصدى والهوى والردى "
ومن هوى الجنوبى "نبيه برى" قائد حركة "أمل" ، التى سبقت "حزب الله" إلى حومة الميدان ، وأعلن مؤسسها الشهيد الإمام موسى الصدر أن "إسرائيل" سرطان ، سرى حس المقاومة العنيدة لمقاتلى "بنت جبيل" إلى الوطن اللبنانى كله ، وإلى كل لبنانى وطنى صاحب ضمير حى ، حتى وإن اختلف الهوى السياسى والفكرى ، وتغايرت انتسابات الطوائف ، وأصدرت القوى والأحزاب الناصرية اللبنانية بيانا أكدت فيه رفضها القاطع للمفاوضات المباشرة مع العدو الصهيونى "الذى يستبيح أمننا الوطنى ، ويمارس أبشع أنواع الإجرام النازى بحق المدنيين من قتل وتدمير وتهجير" ، وأشادت القوى الناصرية اللبنانية بمشروع القانون الذى قدمه النائب "أسامة سعد" ـ الأمين العام للتنظيم الشعبى الناصرى ـ حول تجريم العلاقة أى علاقة مع العدو الصهيونى ، وتأمل "من الكتل النيابية الموافقة عليه ورفض أى شكل من أشكال العلاقة مع العدو الصهيونى " ، ولا يعد مشروع قانون " سعد" غريبا ولا مقحما على السيرة الوطنية والدستورية والميثاقية للدولة اللبنانية ، فالوضع القانونى القائم بالفعل فى لبنان ، لايزال يستند إلى مواريث مقاطعة العدو الصهيونى ، ويحرم ويجرم إقامة أى علاقات مع العدو ، سواء فى قانون المقاطعة الذى لا يزال ساريا ، أو فى وثيقة "الطائف" و"الوفاق الوطنى" التى طوت زمن الحرب الأهلية الدموية بين عام 1975 إلى عام 1990 ، وقيمة بيان الناصريين اللبنانيين ، أنه يضاف إلى مواقف قوى وطنية أخرى ، بينها موقف الزعيم الدرزى "وليد جنبلاط" قيادى "الحزب الاشتراكى التقدمى" ، الذى طالب بإغلاق ملف البحث عن اتفاق سلام وتطبيع من خلال المفاوضات المباشرة ، وطالب بأن يقتصر التفاوض على وقف إطلاق النار واستعادة الأسرى وانسحاب قوات العدو من الجنوب اللبنانى إلى ما وراء الحدود الدولية ، وكأن "وليد جنبلاط" يستعيد بعضا من وهج أبيه "كمال جنبلاط" قائد الحركة الوطنية اللبنانية فى زمانه .
وهذه الإشارات المتفرقة تبرز للعيان ، أهمية وجدوى بعث جبهة وطنية لبنانية جامعة عابرة للطوائف ، تحتضن وتدافع عن مقاومة الجنوب ذات الطابع الشيعى الاستشهادى ، فالبيئة الشيعية هى التى تتحمل ولا تزال العناء الأكبر ، وهى الأكثر تأثرا بالقصف والقتل والنزوح ، وقد بلغ عدد النازحين إلى اليوم أكثر من مليون ومئتى ألف من الجنوب والضاحية الجنوبية ، واحتضنتهم بيئات اجتماعية من طوائف لبنانية أخرى مسيحية ودرزية وسنية ، لكن التركيب الطائفى للنظام السياسى اللبنانى ، وتصدر الأحزاب الطائفية للمشهد ، وتزوير الكثير منها لحقيقة الألم اللبنانى ، وميل أحزاب طائفية موصومة وقيادات سياسية إلى تغليب المحبة والولاء لكيان الاحتلال على أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية ، واعتبار أن الهدف الأسمى هو نزع سلاح حزب الله ، وليس نزع السكين "الإسرائيلى" من رقبة لبنان والجنوب بالذات ، واصطفاف غالب كيانات اليمين المسيحى مع جماعات تنتسب زورا إلى سنة لبنان ، وقد كانت البيئة السنية هى الحاضنة التاريخية لنداءات العروبة والمقاومة والعداء لكيان الاحتلال ، ومع انقلابات الوضع العربى بعامة ، والميل المجانى إلى الخضوع والهوان والتطبيع والعمل فى خدمة "إسرائيل" ، توالت انشقاقات والانحرافات فى البيئة السنية وبعض الشيعية ، ولعبت فوائض المال البترولى دورا سلبيا مؤثرا فى لبنان ، الذى كان دائما مرآة عاكسة لما يدور فى المنطقة ، وهكذا تكون اصطفاف عظيم الأذى فى دوائر الإعلام والسياسة اللبنانية ، يقلب الحقائق رأسا على عقب ، ويكون ما قد تصح تسميته "حزب إسرائيل" فى لبنان ، الذى يحول معنى السيادة اللبنانية إلى معنى "السيادة الإسرائيلية" ، ويجعل من نزع سلاح حزب الله قضية القضايا ، ويستجيب بالغرائز المفتعلة إلى الأولويات المعلنة لحكومة العدو الإسرائيلى ، ولخطة رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" بالذات ، الذى قبل أخيرا استجداء السلطة اللبنانية لمفاوضات مباشرة مع "إسرائيل" ، ووضع للتفاوض هدفا واحدا من شقين ، أولهما نزع سلاح "حزب الله" ، ثم الوصول لإتفاق تطبيع "إبراهيمى" مع لبنان ، ودونما تطرق إلى وقف فورى لإطلاق النار ولا انسحاب لقوات الاحتلال .
ومع أن التاريخ لا يعيد نفسه دائما لاختلاف الظروف ، إلا أن الحوادث قد تتشابه ، ويحكمها القانون نفسه ، فقبل أكثر من أربعين عاما ، كانت القوى ذاتها التى تعادى "حزب الله" اليوم ، وتعادى المقاومة الوطنية اللبنانية ، هى ذاتها التى كانت تعادى المقاومة الفلسطينية وقوات منظمة التحرير زمن ياسر عرفات ، وكانت القوى ذاتها تستعين بإمدادات السلاح "الإسرائيلى" سرا وجهرا ، وتشارك قوات الاحتلال فى تنفيذ مذابح "صابرا وشاتيلا" وغيرها ، وتعقد ما أسمته اتفاق سلام فى 17 مايو 1983 ، وكان رمز الحدث وقتها "بشير الجميل " قائد ما يسمى "القوات اللبنانية " ، التى يقود سميتها اليوم "سمير جعجع " ، أعدى أعداء "حزب الله" ، ليس لأن "حزب الله" شيعى ، بل لأنه يقاوم "إسرائيل" ويتحالف مع إيران ، وقد صبر "حزب الله" طويلا وتحملت عناصره وبيئته كل الأذى وفواتير الدم والمعاناة والاغتيالات طوال خمسة عشر شهرا ، أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار فى 27 نوفمبر 2024 ، لم يطلق الحزب فيها رصاصة واحدة ردا على عشرات آلاف الانتهاكات وصنوف العدوان ، وأفسح المجال للسلطات اللبنانية ، التى تخلفت عن أداء الواجب الوطنى فى رد الاعتداءات ، وتفرغت لما يسمى حصر السلاح وخطط نزع سلاح حزب الله ، ثم جعلت من سلاح الحزب كيانا محظورا ، بعد استئنافه القتال مع كيان الاحتلال ، وبمزيج من معانى الرد على اغتيال المرشد الروحى "على خامنئى" ، والدفاع عن كرامة لبنان والجنوب النازف المستنزف الصابر.
وكان الرد "الإسرائيلى" هو محاولة استعادة ما كان ، واحتلال الجنوب مجددا حتى نهر "الليطانى" ، وهو ما يقاومه "حزب الله" اليوم مجددا وبشراسة ، ويعجز مئات الآلاف من جنود الاحتلال عن التقدم ، ويخوض حرب عصابات جديدة متطورة تقنيا ، ويصنع الملاحم من "الخيام" إلى "بنت جبيل" ، وأضطر جيش الاحتلال لإشهارعجزه منفردا عن نزع سلاح حزب الله ، وطالب السلطات اللبنانية بالتعاون معه فى قتال "حزب الله" ، وهو ما يحمل معه مخاطر العودة لاقتتال طائفى وحرب أهلية مهلكة ، حمى الله لبنان ومقاومته من شرورها.
[email protected]





