من يدفع فاتورة الحرب في الشرق الأوسط؟..
من مكاسب روسيا والصين إلى تراجع اقتصاد الخليج.. الرابحون والخاسرون من الحرب الأمريكية الإسرائلية على إيران
فتحت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ـ منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026 ـ الباب إلى عودة الفوضى في الشرق الأوسط، بعد بضعة أشهر من الاستقرار النسبي عقب اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة، الذي توسطت فيه مصر والولايات المتحدة.
ومع دخول الحرب يومها الـ36، تُشير أغلب التقديرات إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم يعط اهتمامًا لتداعيات الحرب الأوسع، حيث تفتح هذه الحرب الباب أمام تحولات عميقة تتجاوز حدود ساحة القتال، لتطال بنية التحالفات الدولية ومسارات الأسواق، في لحظة تبدو فيها القرارات الكبرى محكومة باعتبارات آنية أكثر من كونها نتاج رؤية استراتيجية متماسكة.
وتكشف تداعيات الحرب، مع مرور الوقت، عن شبكة معقدة من التأثيرات المتشابكة، حيث لا تتوقف النتائج عند طرفي الصراع، بل تمتد لتطال قوى دولية وإقليمية تجد نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة حساباتها.
وفي هذا السياق، أظهر تقرير مركز الإصلاح الأوروبي (CER)؛ أبرز الرابحين والخاسرين من حرب إيران.
صرف الأنظار عن الانتقادات الموجهة لروسيا
أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى تعزيز إيردات روسيا، ما منحها قدرة مالية لاستكمال حربها في أكرانيا، كما تتيح لها الحرب الجارية بين طهران وواشنطن توسيع نفوذها في أسواق السلع الأساسية، مثل الأسمدة، إلى جانب استثمار الحرب دعائياً لتقويض الانتقادات الغربية لسلوكها العسكري، عبر التشكيك في ازدواجية المعايير الدولية، وتتفاوت التقديرات في شأن حجم الأموال التي ستجنيها روسيا من زيادة صادرات النفط بأسعار أعلى.
وتفيد بيانات حديثة بأن روسيا جنت نحو 6 مليارات يورو من صادرات الوقود الأحفوري خلال الأسبوعين اللذين أعقبا اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وذلك وفق تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" في 12 مارس الجاري.
وتشير التقديرات إلى أن هذه العوائد تضمنت زيادة إضافية بنحو 672 مليون يورو في مبيعات النفط والغاز والفحم خلال شهر مارس مدفوعة بارتفاع متوسط الأسعار اليومية المجمّعة بنسبة 14 في المئة مقارنة بشهر فبراير.
وبحسب بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، فإن الحصة الكبرى من هذه الزيادة، التي تُقدّر بنحو 625 مليون يورو، جاءت من تجارة النفط.
وكشفت تقديرات "فايننشال تايمز" أعلى من ذلك، إذ أكدت الصحيفة في تقرير لها أن روسيا، التي كانت تجني 150 مليون دولار يوميا، حققت حتى الآن ما بين 1.3 و1.9 مليار دولار من النزاع، ورجّحت التقديرات أن الرقم قد يرتفع إلى ما يقرب من 5 مليارات دولار إذا استمرت الحرب حتى نهاية مارس.
الصين بين خسائر المدي القصير ثم أرباح على المدي البعيد
ووفقًا لتقرير مركز الإصلاح الأوروبي (CER)، فإن الصين تمثل نموذجا أكثر تعقيدًا، إذ أنه من المتوقع أن تخسر على المدي القريب، ولكن ستكون رابحة كلما طال أمد الحرب، حيث تواجهه ضغوطًا اقتصادية نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها، لكنها ستكون في وضعٍ ممتازٍ للاستفادة إذا ما خلصت الدول الأخرى إلى أن أفضل رد فعلٍ لانقطاع إمدادات النفط والغاز، هو تسريع تحولها في مجال الطاقة، وبفضل هيمنتها على الإنتاج العالمي للألواح الشمسية والمركبات الكهربائية، ومكونات توربينات الرياح المتزايدة، الأمر الذي يمكن الصين من تلبية الطلب المتزايد على هذه التقنيات.
وأشار التقرير إلى أن الصين يمكن أن تستغل انشغال الولايات المتحدة عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في نقص معدات الدفاع الصاروخي في الخليج وهو ما يُجبر واشنطن بالفعل على نقل بعض عناصر منظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" (THAAD) من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، في الوقت الذي تعاني فيه منظومة "ثاد"، القادرة على اعتراض صواريخ باليستية أطول مدى من منظومة "باتريوت"، من نقص حاد، إذ لا يُنتج منها حاليًا سوى 96 صاروخًا اعتراضيًا سنويًا، على الرغم من اتفاق الحكومة الأمريكية وشركة "لوكهيد مارتن" مؤخرًا على زيادة هذا العدد إلى 400 صاروخ.
ووتابع التقرير: ونظرًا لترسانة الصين الصاروخية الكبيرة والمتنامية، ستكون منظومة "ثاد" أساسية لحماية الأصول الأمريكية وحلفائها في أي نزاع بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقد تتأخر أيضًا عمليات تسليم المعدات العسكرية الأمريكية الأخرى إلى حلفائها في المنطقة إذا طالت.
أمريكا من الخاسرين وصدام وشيك مع أوروبا
ولفت التقرير إلى أنه من المرجح أن تجد أمريكا نفسها من بين الخاسرين، فقد ألحقت إدارة ترامب ضررًا بالغًا بالقوة الناعمة الأمريكية في أجزاء كثيرة من العالم، لكنها حافظت في الغالب على علاقات جيدة مع دول الخليج، وانضمت البحرين وقطر والسعودية والإمارات إلى "مجلس السلام" الذي دعا إليه ترامب.
وأضاف أنه رغم أن أيًا من دول الخليج لم ترغب في أن تطور إيران أسلحة نووية، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت أي منها ترغب في هذه الحرب، أو ما إذا كانت مستعدة للأضرار المادية والاقتصادية التي تُلحقها، وقد طالب ترامب دول الناتو بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز وإلا سيواجه الناتو “مستقبلًا سيئًا للغاية”.
ويرى التقرير أن ابتزاز "ترامب" سيزيد من تدهور العلاقات مع أوروبا، المتوترة أصلًا بسبب سياسته الجمركية، وميله نحو روسيا، وتهديداته بالاستيلاء على غرينلاند، وبينما سيستفيد منتجو النفط والغاز الأمريكيون من ارتفاع أسعار النفط والغاز، سيكون التأثير على بقية الاقتصاد وعلى المستهلكين الأمريكيين سلبيًا كما تُثبت الحرب نفسها أنها مكلفة من الناحية المالية المباشرة: إذ تُقدر تكلفة الأيام الستة الأولى بنحو 11.3 مليار دولار.
الخليج يعاني إذا استمرت الحرب لفترة أطول
وأضحت تقارير أنه في ظل استمرار التصعيد في الشرق الأوسط وتزايد المخاطر المرتبطة بإمكانية تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، تظل اقتصادات الخليج عرضة لأزمات اقتصادية محتملة، ورغم هذه المخاطر، هناك مقومات تتمتع بها هذه الدول، وقد تمكّنها من تفادي الأزمات الاقتصادية المحتملة.
وبحسب تصريحات سابقة للدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والتمويل: "تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أدوات مهمة لتفادي الآثار الاقتصادية للحرب، لكن قدرتها على الصمود ستظل مرهونة بطبيعة الصراع ومدته".
وأشار تقرير صادر عن بنك ستاندرد تشارترد، إلى أن "التأثير الاقتصادي على دول الخليج سيظل محدوداً نسبياً وغير متساوٍ بين الدول، بفضل ما تمتلكه من احتياطيات مالية ضخمة ومرونة مالية وهياكل اقتصادية أكثر تنوعاً مقارنة بالماضي".
وأضاف التقرير أن "المنطقة دخلت هذه المرحلة من موقع قوة، إذ تتجاوز أصول الصناديق السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي لدول الخليج حاجز 6.5 تريليون دولار، وهو ما يوفر لها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات الداخلية والخارجية".
إسرائيل من الفائزين
كما أفادت تقارير أنه من المرجح أن تكون إسرائيل من بين الرابحين، من خلال تقليص نفوذ حماس في غزة وحزب الله في لبنان، بشكل كبير، إضافة إلى أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وعمليات الاغتيال المستهدفة لعلماء نوويين إيرانيين، قد أدت إلى تراجع كبير في برنامج إيران النووي، وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية العسكرية.
وانتهى التقرير إلى أنه من شأن ذلك أن يصعّب على إيران مواصلة مهاجمة إسرائيل، لا سيما إذا تسببت الحرب في صراع داخلي في إيران (حتى وإن لم تظهر حتى الآن أي بوادر على فقدان النظام قبضته على السلطة)، أما بالنسبة لنتنياهو شخصياً، فقد تُحسّن الحرب من حظوظه السياسية مع اقتراب إسرائيل من انتخابات أكتوبر، رغم أن استطلاعات الرأي تُظهر حتى الآن زيادة طفيفة فقط في تأييد حزب الليكود الذي يتزعمه.





