الثلاثاء 17 مارس 2026 الموافق 28 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
توك شو

لماذا يقصد الناس بئر السلطان الحنفي في رمضان؟.. أستاذ تاريخ وحضارة يجيب

الثلاثاء 17/مارس/2026 - 07:10 م
بئر السلطان الحنفي
بئر السلطان الحنفي

أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن السير في منطقة السيدة زينب خلال شهر رمضان، وخاصة عند المرور بجوار جامع السلطان الحنفي، يكشف أن المكان ليس مجرد مسجد عابر، بل حكاية كاملة حاضرة في وجدان المصريين منذ أكثر من 600 عام، موضحًا أن قصة السلطان الحنفي تحمل أبعادًا إنسانية وروحية عميقة، إذ لم يكن سلطانًا بالمعنى السياسي، ولم يجلس على كرسي حكم، بل كان طفلًا يتيمًا تربى في كنف خالته، وحفظ القرآن الكريم، وعمل في بيع الكتب، حتى جاءت لحظة فارقة في حياته عندما سمع سؤالًا بسيطًا لكنه هز كيانه: «مال الدنيا خلقت؟»، فدخل الخلوة في سن الرابعة عشرة، ومكث فيها سبع سنوات كاملة، ليخرج بعدها وقد ذاع صيته في القاهرة، لما اتسم به من جمال الهيئة وهيبة الحضور ونور الكلمة، حتى أطلق عليه الناس لقب «السلطان» لا باعتباره سلطان دولة، ولكن سلطان روح.

وأضاف أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الثلاثاء، أن التراث الصوفي نقل إشارات مبكرة لمكانة السلطان الحنفي، حيث ذكر ابن عطاء الله السكندري عن أبي العباس المرسي أن الإمام الشاذلي أشار قبل ميلاده بسنوات إلى ظهور رجل في مصر يُعرف بمحمد الحنفي سيكون له شأن عظيم، كما أفاض الإمام الشعراني في الحديث عنه بما لا يقال إلا عن كبار العلماء والأولياء، مشيرًا إلى أن بداية الحكاية المرتبطة بالجامع تعود إلى بئر صغيرة في ركن هادئ، حين طلب الفقراء من الشيخ إنشاء بئر للميضأة، فغرس عصاه في الأرض وقال: «هذه البئر»، ومنذ ذلك اليوم تفجرت المياه واختفت دون أن يُعرف مسارها، لتصبح البئر مرتبطة باسمه، لا باعتبارها بئر زمزم، ولكن كرمز لرجاء الناس وأملهم.

وأوضح أن هذه البئر تحولت عبر الزمن إلى مقصد روحي، حيث كان الناس يقصدونها في هدوء، تحمل كل فئة همومها وآمالها؛ أم تحمل طفلها، ورجل مثقل بالهموم، وفتاة تدعو بالستر، وشاب يبحث عن رزق، وكل منهم يأتي بدعوة خاصة، لتنتقل الحكايات من جيل إلى جيل عن تفريج الكرب بعد الضيق، ونزول الطمأنينة في القلوب، حتى صار الخدام يرددون أن «بئر السلطان كزم لما شربت له»، مؤكدًا أن ارتباط هذه الأجواء بشهر رمضان تحديدًا يعود إلى كونه شهر الرجوع والدعاء، حيث كانت اللحظات بين المغرب والتراويح تشهد وقوف الناس لشرب جرعة صغيرة مصحوبة بدعوة كبيرة في صمت دون استعراض.

وأشار الدكتور عمرو منير إلى أن تمسك المصريين بهذه الحكاية لا ينبع من اعتقاد في السحر أو الخرافة، بل من إدراكهم لدور الولي كرمز للرحمة والسند الروحي، موضحًا أن الولي في الوجدان الشعبي ليس بديلًا عن الأخذ بالأسباب من علاج أو عمل أو سعي، بل هو مساحة أمان وطمأنينة، لافتًا إلى أن السلطان الحنفي عُرف بتواضعه الشديد، وكان يحذر من إنكار كرامات الأولياء مؤكدًا ثبوتها، كما كان يدعو إلى مجاهدة النفس بقوله: «رحم الله من ساعد شهوته على نفسه»، وقد توفي في نهاية حياته على قارعة الطريق دون جاه أو مظاهر، ليبقى أثره في القلوب لا في المظاهر.

ولفت أستاذ التاريخ والحضارة إلى أن بئر جامع السلطان الحنفي لم تعد مجرد أثر تاريخي أو حكاية شعبية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الروحية للقاهرة، تعود إلى الحياة كلما جاء شهر رمضان، حيث تتجدد معاني الأمل والرجاء، ويبحث الناس عن النور حتى في أبسط الأماكن، لتظل هذه الحكاية واحدة من ملامح الشخصية المصرية التي ترى في رمضان شهر الأبواب المفتوحة والقلوب القريبة من السماء.