أستاذ علم اجتماع: السوشيال ميديا كشفت التعصب ولم تصنعه
أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن هناك نوعًا جديدًا من التعصب بدأ يظهر بقوة في حياتنا اليومية، وهو ما يمكن تسميته بـ«التعصب الرقمي»، موضحًا أن كثيرًا من الناس أصبحوا يكتبون تعليقًا بسيطًا أو ينشرون رأيًا عاديًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تتحول الأمور سريعًا إلى حالة من الجدل والصراع.
وقال، خلال حلقة برنامج "ناس تك"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، إن الخلاف في الماضي كان يأخذ شكل النقاش والحوار، أما الآن فكثيرًا ما يتحول إلى معركة إلكترونية، فقد يُكتب منشور عن كرة القدم أو رأي في مسلسل أو برنامج، فتتحول التعليقات إلى مشادات بين مؤيدين ومعارضين، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص أصبحت الشاشة تُخرج أسوأ ما فيهم من التعصب.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الجميع مساحة واسعة للتعبير عن الرأي، لكنها في الوقت نفسه جعلت كل رأي معرضًا للهجوم الفوري، لافتًا إلى أن المشكلة لم تعد في الاختلاف حول الفكرة، بل في تحول الخلاف إلى هجوم شخصي، حيث يتم استبدال مناقشة الأفكار بتوجيه كلمات جارحة مثل «أنت جاهل» أو «أنت متخلف» أو «أنت لا تفهم»، مؤكدًا أن أساس التعصب يبدأ عندما يترك الإنسان الفكرة ويتجه لمهاجمة الشخص نفسه.
وأشار الدكتور وليد رشاد إلى أن أي مساحة للنقاش قد تتحول إلى ساحة صراع، حيث أصبح البعض يتعامل بمنطق «إما أن تكون معي مئة في المئة أو ضدي مئة في المئة»، دون وجود مساحة للمنطقة الوسطى أو التفاهم. وبيّن أن التكنولوجيا نفسها ليست سبب الشر، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تجعل الناس سيئين بطبيعتها، لكنها فقط جعلت أصواتهم مسموعة وكشفت قضايا كانت مسكوتًا عنها وفتحت باب النقاش أمام الجميع، موضحًا أن المشكلة الحقيقية ليست في حرية التعبير، بل في الأسلوب الذي نستخدمه للتعبير عن آرائنا.
وأوضح أن من أسباب زيادة التعصب الرقمي ما يمكن تسميته «وهم الشجاعة»، حيث يشعر البعض بجرأة كبيرة خلف شاشة الهاتف أو الكمبيوتر، فيقولون كلمات لا يستطيعون قولها في الواقع، لأنهم يشعرون أنهم مختبئون خلف الحسابات أو الشاشات، وهو ما يزيد من حدة التعصب وحدّة التعبيرات المستخدمة في النقاشات. كما لفت إلى أن بعض آليات عمل منصات التواصل قد تساهم في تضخيم هذا الغضب، إذ يتم أحيانًا الترويج للمحتوى الذي يثير الجدل والاختلاف لأنه يجذب تفاعلًا أكبر من حيث الإعجابات والمشاهدات والتعليقات.
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن هناك أيضًا ما يعرف بعقلية «نحن وهم»، وهي الفكرة التي تجعل الناس ينقسمون إلى فريقين متقابلين: فريق معنا وفريق ضدنا، موضحًا أن الدراسات تشير إلى أن الإنسان عندما ينتمي إلى مجموعة ما يبدأ في الدفاع عنها بقوة حتى لو كان الموضوع بسيطًا، وهو ما يحدث كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يدافع البعض عن جماعته أو فريقه أو فكرته كما لو كان يدافع عن فريق كرة قدم مفضل لديه، سواء كان محقًا أو مخطئًا.
وتابع أن العديد من الأبحاث التي تناولت ظاهرة التعصب الرقمي وجدت أن الناس عندما يتحاورون داخل مجموعات تتشابه في الرأي، فإن آرائهم تميل إلى أن تصبح أكثر تطرفًا مع مرور الوقت، لأنهم يسمعون الصوت نفسه والرأي نفسه باستمرار، وهو ما يقلل من قدرتهم على تقبل الآراء المختلفة، مؤكدًا أن هذا الأمر يحدث بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعرض الخوارزميات غالبًا محتوى مشابهًا لما يفضله المستخدم، مما يضيق دائرة الاطلاع على الآراء المتنوعة.
وأوضح أن من أخطر آثار التعصب الرقمي فقدان القدرة على الحوار، حيث يصبح من الصعب على الإنسان أن يتحدث بهدوء مع من يختلف معه في الرأي، كما يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر والغضب، وهو ما ينعكس سلبًا على الحالة النفسية والعلاقات الاجتماعية، لافتًا إلى أن كثيرًا من العلاقات قد تتأثر أو تتدهور بسبب خلافات حول الرياضة أو المباريات أو غيرها من الموضوعات.
وأكد الدكتور وليد رشاد أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بوضع مجموعة من القواعد البسيطة للنقاش، أولها الفصل بين الفكرة وصاحبها، بحيث يتم نقد الفكرة دون الإساءة إلى الشخص، وأن يكون النقد نقدًا بنّاءً لا هجومًا لمجرد الهجوم، كما دعا إلى محاولة وضع النفس مكان الطرف الآخر لفهم وجهة نظره. ونصح أيضًا بتوسيع دائرة الاستماع لآراء مختلفة وعدم الاكتفاء بالأفكار المتشابهة، مشيرًا إلى أنه إذا تحول الحوار إلى إهانة فمن الأفضل الانسحاب بهدوء، لأن ليس كل جدل يستحق أن نخوضه.
ولفت أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن الرأي ليس هوية ثابتة، وأن الاختلاف لا يعني العداوة، فوسائل التواصل الاجتماعي صُممت أساسًا لتقريب الناس من بعضهم لا لتحويلهم إلى خصوم، داعيًا إلى أن يكون شعار النقاشات هو التحاور دون هجوم، والاختلاف دون تعصب.





