الأربعاء 11 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
خدمات

ما هو سلاح الفسفور الأبيض الذي استخدمته إسرائيل في ضرب لبنان؟

الثلاثاء 10/مارس/2026 - 10:28 م
سلاح  الفسفور الأبيض
سلاح الفسفور الأبيض

يعد الفسفور الأبيض من المواد التي يمكن استخدامها عسكريًا لتشكيل ستار من الدخان أو ضمن الأسلحة الحارقة، إلا أن استعماله في مناطق مأهولة بالسكان يثير مخاوف إنسانية كبيرة بسبب الأضرار الخطيرة التي قد يتسبب بها للمدنيين.

سلاح الفسفور الأبيض

ويؤدي التعرض الفسفور الأبيض إلى حروق شديدة وعميقة قد تخلّف آثارًا صحية طويلة الأمد لدى المصابين، كما يمكن أن يتسبب في خسائر بشرية كبيرة عند استخدامه في مناطق مكتظة بالسكان، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توافق استخدامه مع قواعد القانون الإنساني الدولي.

وبحسب القواعد الدولية المنظمة للنزاعات المسلحة، يتعين على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين وتجنب سقوط ضحايا بينهم.

وفي ظل هذه المخاطر، تتزايد الدعوات لإعادة تقييم البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، والذي يُعد الإطار القانوني الدولي الأساسي المنظم لاستخدام الأسلحة الحارقة، وذلك بهدف مراجعة مدى كفايته وملاءمته للتعامل مع التطورات الحالية في النزاعات المسلحة.

ما هو الفسفور الأبيض؟

الفسفور الأبيض مادة كيميائية تستخدم بشكل واسع في القذائف المدفعية والقنابل والصواريخ، ويتميز باشتعاله فور تعرضه للأكسجين، ما يؤدي إلى توليد حرارة شديدة تصل إلى 815 درجة مئوية، بالإضافة إلى ضوء ساطع ودخان كثيف يُستغل لأغراض عسكرية مثل التمويه أو ستار الدخان.

ورغم الاستخدامات العسكرية، فإن ملامسة الفسفور الأبيض لجسم الإنسان تتسبب في إصابات وحروق مروعة يصعب علاجها، وقد تترك آثارًا دائمة على الجلد والأنسجة.

ويصنف الفسفور الأبيض ليس كسلاح كيميائي بالمعنى التقليدي، إذ إن آثاره تعتمد على الحرارة واللهب الناتج عن اشتعاله، وليس على سمّيته الكيميائية. ومن طرق نقله واستخدامه أيضًا وضع قطع من اللباد المشبعة بالفسفور ، والتي تُنبعث منها رائحة مميزة تشبه رائحة "الثوم" عند تعرضها للهواء.

كيف يتم استخدام الفسفور الأبيض؟

يُستخدم الفسفور الأبيض أساسًا لتغطية العمليات العسكرية بالستار الدخاني، إذ يصدر عنه دخان كثيف يتيح إخفاء حركة القوات ليلاً ونهارًا، ويعطل أنظمة الرؤية بالأشعة تحت الحمراء وتتبع الأسلحة، ما يمنح القوات حماية إضافية ضد الصواريخ الموجهة والدبابات.

وعند الانفجار الجوي، يمتد تأثير الفسفور الأبيض على مساحة أكبر مقارنة بالانفجار الأرضي، ما يجعل من السهل إخفاء تحركات القوات الكبيرة، إلا أن ذلك يؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع نطاق المخاطر الحارقة، وهو ما يزيد تهديد المدنيين في المناطق المكتظة بالسكان مثل قطاع غزة.

أما الانفجار الأرضي، فيتركز تأثير الفسفور الأبيض في منطقة محددة ويستمر ستار الدخان لفترة أطول، بينما يعتمد بقاء السحابة الدخانية الناتجة عن الانفجار الجوي على الظروف الجوية، لذلك لا يمكن تحديد مدة ثابتة لبقاء الستار في الهواء.

إلى جانب استخدامه كستار دخاني، يمكن للفوسفور الأبيض أن يستغل كسلاح حارق، وقد شهد العالم مثالًا على ذلك خلال معركة الفالوجا الثانية في العراق عام 2004، حين استخدمته القوات الأمريكية لإجبار المقاتلين المختبئين على الخروج، ما أدى إلى إصابات وحروق شديدة بينهم.

ما الضرر الذي يسببه الفسفور الأبيض؟

يسبب الفسفور الأبيض حروقًا عميقة وشديدة غالبًا ما تمتد حتى العظام، وتكون صعبة الشفاء، مع احتمال تطورها إلى التهابات خطيرة إذا لم تُزال جميع شظاياه، وتظل هذه الشظايا قابلة للاشتعال عند تعرضها للأكسجين، ما يزيد من تفاقم الجروح بعد العلاج، وحتى حروق الفوسفور التي لا تتجاوز 10% من الجسم قد تكون قاتلة، كما يمكن أن تؤدي إلى تلف الجهاز التنفسي وفشل الأعضاء الحيوية.

ويعاني الناجون من هجمات الفسفور الأبيض من آثار طويلة الأمد، تشمل تقلصات دائمة للعضلات والأنسجة، وإعاقة الحركة، وآلام مستمرة، إلى جانب الأثر النفسي الكبير الناتج عن الصدمة الأولية، والعلاجات المؤلمة، والندوب التي قد تكون مشوهة، ما يؤدي أحيانًا إلى عزلة اجتماعية وصعوبات نفسية.

كما يمكن للحرائق الناتجة عن الفسفور الأبيض أن تسبب دمارًا واسعًا للمنشآت والممتلكات المدنية، وتلف المحاصيل، وموت الماشية، بينما يؤدي نقص الموارد الطبية في مناطق النزاع إلى تفاقم صعوبة علاج هذه الحروق الخطيرة، ما يزيد من المعاناة الإنسانية للمتضررين.

ما هو وضع الفسفور الأبيض بموجب القانون الدولي؟

عند استخدام الفسفور الأبيض كسلاح، تصنف الذخائر المحتوية عليه ضمن الأسلحة الحارقة، ورغم أن القانون الإنساني الدولي لا يحظر الأسلحة الحارقة صراحة، إلا أنه يفرض على الدول اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين نتيجة استخدامها.

كما تخضع الأسلحة الحارقة للبروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، وقد انضمت إليه فلسطين ولبنان، بينما لم تصدّق إسرائيل على البروتوكول الذي يمنع استخدام الأسلحة الحارقة الملقاة جويًا على "تجمعات المدنيين، ومع ذلك، يشهد البروتوكول وجود ثغرتين كبيرتين تؤثران على فعاليته.

أول هذه الثغرات تكمن في أنه يقيّد بعضًا فقط وليس كل الأسلحة الحارقة التي تطلق من الأرض في مناطق وجود المدنيين، وهو ما قد يشمل الضربات المدفعية بالفسفور  الأبيض في غزة.

أما الثانية فتتعلق بتعريف البروتوكول للأسلحة الحارقة بأنها "مصممة أساسًا لإشعال النيران وحرق الأشخاص"، ما يعني استثناء الذخائر متعددة الأغراض، مثل تلك التي تحتوي على الفسفور الأبيض، إذا استخدمت كستار دخاني، حتى وإن تسببت في تأثيرات حارقة على البشر.

وقد دعت منظمة هيومان رايتس ووتش وعدد من الدول الأطراف إلى سد هذه الثغرة وتعزيز القيود على استخدام الأسلحة الحارقة المنطلقة من الأرض في مناطق المدنيين.

وتؤيد المنظمة الدعوة التي حظيت بدعم واسع للدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة التقليدية، لعقد اجتماع مخصص في نوفمبر 2023 لمناقشة حالة وملاءمة البروتوكول الثالث، بهدف تحديثه ومواكبة التطورات العسكرية المعاصرة وحماية المدنيين.

ما هي سياسة إسرائيل وممارساتها السابقة فيما يتعلق بالفسفور  الأبيض؟

خلال الفترة من 27 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير 2009، في عملية "الرصاص المصبوب" ضد غزة، أطلق الجيش الإسرائيلي نحو 200 ذخيرة فوسفور أبيض من الأرض على مناطق مأهولة بالسكان.

واعتمدت القوات بشكل خاص على قذائف المدفعية عيار 155 ملم M825E1، التي تنشر شظايا الفسفور المشتعلة لمسافة تصل إلى 125 مترًا في جميع الاتجاهات، ما يمنحها تأثيرًا واسع النطاق.

على الرغم من إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الهدف من هذه القذائف كان تكوين ستائر دخان فقط، وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش سقوط عشرات الضحايا المدنيين في ست حوادث موثقة. 

كما سببت القذائف أضرارًا بالمنشآت المدنية، شملت مدرسة وسوقًا ومخزنًا للمساعدات الإنسانية ومستشفى، ما أثار غضبًا محليًا ودوليًا واسعًا.

في عام 2013، وردًا على التماس مقدم إلى محكمة العدل الإسرائيلية العليا بشأن هجمات غزة، أكد الجيش الإسرائيلي أنه لن يستخدم الفسفور الأبيض في المناطق المأهولة بالسكان إلا في حالتين ضيقتين لم يُكشف عنهما إلا للقضاة. 

وأوضحت القاضية إدنا أربيل أن هذا الاستخدام سيكون استثناء متطرفًا وفي ظروف خاصة للغاية، داعية الجيش إلى إجراء فحص شامل واعتماد توجيه عسكري دائم، رغم أن هذا التعهد لم يمثل تغييرًا رسميًا في السياسة.

في نفس العام، أعلنت القوات المسلحة الإسرائيلية عن تطوير قذائف دخان جديدة خالية من الفسفور الأبيض. 

وأشارت إلى أنها ستظل تحتفظ بالحق في استخدام وتخزين ذخائر الفسفور الأبيض حتى توفر بدائل كافية، مع التأكيد على أن القذائف الجديدة تهدف تدريجيًا إلى استبدال القذائف الحالية لتصبح الوسيلة الأساسية لجيش الدفاع الإسرائيلي لأغراض تكوين ستار الدخان.