الثلاثاء 10 مارس 2026 الموافق 21 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
توك شو

كيف تتحول الوحدة إلى سكينة؟.. الدكتور محمود الأبيدي يوضح

الإثنين 09/مارس/2026 - 10:59 م
الدكتور محمود الأبيدي
الدكتور محمود الأبيدي

أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الطريق إلى السكينة يبدأ حين يدرك الإنسان أن القلب لا يهدأ إلا بالقرب من الله، مشيرًا إلى أن الإنسان في زحام الحياة وصراعاتها كثيرًا ما يثقل كاهله التعب وتضيق عليه الأرض بما رحبت، فيبحث عن أمان لا يزول وطمأنينة تسكن روحه.

وأوضح العالم بوزارة الأوقاف، خلال لقاء تلفزيوني، اليوم الإثنين، أن السكينة هبة ربانية إذا نزلت على القلب تحول الضيق إلى سعة، والفقر إلى غنى، والوحشة إلى أنس، مبينًا أن الطريق إليها يبدأ عندما يخلع الإنسان عن روحه أثواب القلق ويهاجر بقلبه إلى مرافئ القرآن، مستلهمًا من سير الصحابة والتابعين كيف تبقى المصابيح مضيئة وسط عواصف الحياة.

وأضاف الدكتور محمود الأبيدي أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى الخلوة الصادقة مع الله، موضحًا أن الفرق كبير بين الوحدة المؤلمة التي يشعر فيها الإنسان بالعزلة، وبين الخلوة التي تكون بابًا للحرية والأنس بالله، حيث يتعلم الإنسان كيف يحول لحظات انفراده بنفسه من حالة موحشة إلى حالة أنس وسكينة.

وأشار إلى أن القرآن الكريم يقدم نماذج لذلك، مستشهدًا بقصة السيدة مريم عليها السلام حين قال الله تعالى: «فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا»، موضحًا أن لحظة اعتزالها الناس كانت بداية لنزول المدد والسكينة، لأن الخلوة هي مختبر السكينة الذي يبدأ فيه القلب بسماع نداء الحق بعيدًا عن ضجيج الحياة.

وبيّن أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى، إذ بدأت النبوة بخلوة في غار حراء، حيث كان يتحنث الليالي ذوات العدد بعيدًا عن ضجيج مكة وسخب التجارة، يبحث عن الحقيقة في سكون الجبل، وهو الأنس الذي هيأ قلبه لاستقبال الوحي والقرآن الكريم.

وأشار إلى أن كثيرًا من الصالحين أدركوا قيمة الخلوة، فكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «نِعم صومعة الرجل في بيته»، وكان يجد في زوايا بيته من السكينة ما لا يجده في الأسواق، كما قال ابن عطاء الله السكندري: «ما نفع القلب شيء مثل خلوة يدخل بها ميدان فكرة».

وأضاف الدكتور محمود الأبيدي أن الخلوة ليست انطواءً عن الناس، بل شحن للروح يمنح الإنسان قدرة على مواجهة الحياة، موضحًا أن علم النفس الحديث يفرق بين الوحدة المؤلمة والخلوة الإيجابية التي تساعد الإنسان على مراجعة ذاته وتقليل الضغط النفسي واستعادة طاقته الداخلية.

وأشار إلى أن الطريق العملي للسكينة يبدأ بخطوات بسيطة، مثل تخصيص دقائق هادئة بعيدًا عن ضجيج الهاتف والتلفاز، يجلس فيها الإنسان مع نفسه مستحضرًا معية الله تعالى، ويقول بقلبه: «يا أنيس من لا أنيس له، آنس وحشتي بسكينتك»، موضحًا أن هذه اللحظات كفيلة بتغيير حالة القلب والنفس.

وأكد أن السكينة ليست غياب العواصف من حياة الإنسان، بل حضور الله في قلبه وسط تلك العواصف، موضحًا أن معادلة السكينة تقوم على اعتزال ضجيج الخلق مع استحضار عظمة الخالق، وهو ما يولد الأنس بالله والطمأنينة في القلب.

ودعا الدكتور محمود الأبيدي إلى أن يجعل كل إنسان لنفسه ملاذًا يوميًا يلوذ فيه بالله، موضحًا أن من وجد السكينة في خلوته مع ربه لم تضره وحشة الناس، وأن السكينة الحقيقية هي حياة طيبة تتحقق ببذل الجهد ويقين التسليم لله تعالى.