وسط ضجيج العصر الرقمي.. محمود الأبيدي: غض البصر طريق السكينة وحياة القلب
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن السكينة هي الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب صار الضيق اتساعًا، والفقر غنى، والوحشة أُنسًا، مشيرًا إلى أن الإنسان في دروب الحياة قد تثقل كاهله الصراعات وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويبحث عن أمان لا يزول، متسائلًا: أين ينام الهدوء حين تشتعل الحروب في صدورنا؟ وكيف استطاع الأولون أن يبتسموا وسط المحن؟ إنها السكينة التي تسكن القلوب بالوحي واليقين.
وأوضح خلال حلقة برنامج "سكينة"، المذاع على قناة الناس، اليوم الإثنين، أن الطريق إلى السكينة يبدأ بالهجرة إلى مرافئ القرآن، واستلهام خطى الصحابة والتابعين في كيفية إبقاء المصابيح مضيئة وسط عواصف الحياة، داعيًا الله أن يُنزل سكينته على قلوب لا ترجو أحدًا سواه، لافتًا إلى أن عالم اليوم يطارد الإنسان في آلاف الصور في الدقيقة الواحدة حتى أُجهدت العيون وتشتتت الأرواح، وظن الناس أن الحرية في النظر لكل شيء، بينما الحقيقة أن كثرة النظر تسرق سكينة القلب وتملؤه بضجيج المقارنات والشهوات.
وأضاف أن سكينة غض البصر هي المدخل الحقيقي لحماية المساحة الداخلية للإنسان، موضحًا أن العين نافذة قد يدخل منها الضجيج فيفسد السكون، وأن كفّ النظر عن الحرام يتحول إلى نور يقذفه الله في القلب، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم﴾، مؤكدًا أن كلمة «أزكى» تعني أطهر للقلب وأنفع للنفس، فالسكينة تسكن في القلب الطاهر الذكي.
وأشار إلى أن غض البصر ليس حرمانًا من الجمال، بل اختيار للجمال الأنقى والسكينة الأعمق، لافتًا إلى ما رُوي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «غضوا أبصاركم تدركوا السكينة في قلوبكم»، وما جاء عن العلاء بن زياد من التحذير من اتباع البصر، لأن النظر يولد الشهوة، والشهوة قلق، والسكينة أمان، كما بيّن أن الإمام الشافعي كان يرى أن نظرة عابرة قد تحجب نور العلم، وأن ابن القيم أكد أن جزاء غض البصر أن يُلبس الله العبد ثوب السكينة ويقذف في قلبه نورًا يبصر به الحقائق.
وشدد الدكتور محمود الأبيدي على أن العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته فشوّشت عليه السكينة، موضحًا أن السكينة جزاء فوري يناله العبد في اللحظة التي يغض فيها بصره لله، حيث يصب الله في قلبه الطمأنينة واليقين.
وقدم تمرينًا عمليًا لصيام النظر، يبدأ بتخصيص ساعة يوميًا لإغلاق الهاتف المحمول تمامًا كصيام تقني، ثم توجيه النظر لهدف محدد عند الخروج وتجنب الفضول البصري، مع استحضار نية ترك النظر لله تعالى، واستشعار أثر ذلك في خفض الضجيج الداخلي، مؤكدًا أن الإرهاق البصري الناتج عن كثرة النظر لما لا يفيد يُبقي مراكز الرغبة في الدماغ في حالة استثارة دائمة، بينما يمنح غض البصر العقل فرصة للراحة ويزيد من قوة التركيز والثبات الانفعالي.
وأكد على أن معادلة السكينة تقوم على كفّ النظر عن المشتتات مع استحضار مراقبة الله، فيثمر ذلك نورًا في البصيرة وسكونًا في القلب، موضحًا أن السكينة ليست غياب العواصف، بل حضور المولى سبحانه وتعالى في القلب وسط العاصفة، داعيًا إلى بذل الجهد مع يقين التسليم لنحيا حياة طيبة، وأن نذهب بأحمالنا وكسورنا إلى الله، فهو لا يرد من طرق بابه بالانكسار، مستودعًا الله قلوب الجميع حتى يكتمل الحديث عن رحلة إدراك السكينة.





