عالم بالأوقاف: الشكر مفتاح السكينة وسر الوفرة في حياة الإنسان
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن السكينة هي الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب تحول الضيق إلى اتساع، والفقر إلى غنى، والوحشة إلى أنس، مشيرًا إلى أن الإنسان في دروب الحياة قد تثقل كاهله الصراعات وتضيق عليه الأرض بما رحبت، لكنه إذا بحث عن موطن الهدوء الحقيقي وجده في سكينة يمنحها الله لعباده حين يلجأون إليه بيقين وتسليم.
وأوضح العالم بوزارة الأوقاف، خلال حلقة برنامج "سكينة"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن من أكبر العوائق النفسية التي تحرم الإنسان من الطمأنينة ما سماه بـ"فخ الناقص"، حيث يقضي كثير من الناس يومهم في التفكير فيما ينقصهم، وينظرون إلى الفراغ في الكوب، وإلى ما في أيدي غيرهم، فيدخلون في حالة طوارئ نفسية دائمة وقلق لا ينتهي، مؤكدًا أن الطمأنينة ليست في امتلاك المزيد، بل في سكنة الوفرة التي يولدها الشكر، وفي إدراك أن الإنسان غارق في النعم لكنه يحتاج فقط إلى عين صبر ترى ما بين يديه.
وأشار الدكتور محمود الأبيدي إلى أن وعد الله بالزيادة في قوله تعالى: «ولئن شكرتم لأزيدنكم» لا يقتصر على زيادة الكم، بل يشمل زيادة الكيف والبركة والسكينة، موضحًا أن الشاكر يعيش في وفرة نفسية لأنه يرى يد الله في تفاصيل يومه الصغيرة، فتتحول حياته إلى عيد مستمر، وتشرق روحه بأنوار الرضا.
وبيّن أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم أسمى نموذج لسكينة الوفرة، فقد كان بيته يمر عليه الشهران لا يوقد فيه نار، ومع ذلك كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وحين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، مؤكدًا أن الشكر ليس مرتبطًا بالغنى المادي، بل بالأنس بالله تعالى، وأن رؤية يد الله في أبسط التفاصيل تمنح القلب شعورًا بالوفرة حتى مع قلة المتاع.
ولفت إلى ما نُقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله: «قيدوا نعم الله بالشكر»، وإلى ما رُوي عن شريح القاضي من حمده لله على المصيبة أربع مرات، كما استشهد بكلام ابن القيم الجوزية في تعريف الشكر بأنه ظهور أثر نعمة الله على لسان العبد ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، مؤكدًا أن الشكر إذا سكن القلب أضاءت فيه أنوار الرضا وذابت ظلمات الشكوى.
وأكد الدكتور محمود الأبيدي، أن الشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل حالة أمان داخلي تعيد برمجة العقل لرؤية السكينة المتاحة، داعيًا إلى تمرين عملي يقوم على كتابة ثلاث نعم يوميًا واستشعار الامتنان لها، موضحًا أن ممارسة الامتنان من أقوى مضادات القلق، لأنها تحول الانتباه من مركز التهديد إلى مركز المكافأة، فتقل هرمونات التوتر ويحل محلها الشعور بالسكينة، مؤكدًا أن معادلة الحياة الطيبة تقوم على بذل الجهد مع يقين التسليم، وأن السكينة ليست غياب العواصف بل حضور الله في القلب وسط العاصفة.





