قوة الإيمان.. بين هواجس العقل وطمأنينة القلب
الإيمان لا يعني عدم الخوف ولا يمنع الخوف أو يلغيه تماما من الإنسان، وإنما يمنح قلب الإنسان الخائف قوة تمنعه من الانهيار ويزرع فيه رجاء يحميه من اليأس.... فالمؤمن قد يخاف، لكنه لا يُهزم من الخوف.
الإيمان لا يمنع الخوف أو يلغيه لأن الخوف في حد ذاته ابتلاء ليختبر صبر الإنسان: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 155).... بل الإيمان يطمئن قلب الإنسان عن طريق ذكر الله الذي يعتبر وسيلة معبرة عنه: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28).
خوفنا وقلقنا الزائد في الحياة سواء على مستقبلنا، على أنفسنا أو على من نحب لا يعني أبدا عدم إيمان أو عدم ثقة في الله بحمايته لهم، وإنما مشاعر إنسانية طبيعية.... قد يصور لنا العقل أحيانا تأثير هذا الخوف، فيبدأ في رسم أسوأ الاحتمالات والمشاعر السلبية، فيُصوّر لنا فقد من نحب أو وقوعهم في خطر ويجعلنا نظن أن ما نخشاه واقع لا مفر منه، فيتضاعف القلق ويثقل القلب ويتأثر الجسد بهذه الهواجس التي أغلبها من تخويف الشيطان للإنسان المؤمن: "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ.." (آل عمران: 175).
هنا يأتي دور الإيمان، لا ليمنع هذه الأفكار من الظهور، بل ليُعيد ضبطها ويضعها في حجمها الحقيقي؛ فالمؤمن يُدرك أن ما يراه في خياله ليس قدرا محتوما، وأن الأمر كله بيد الله، فيُقابل هذه الهواجس باليقين، ويستبدل الاستغراق فيها بالذكر والدعاء والتوكل.
كما أن القلق — إذا بقي في حدوده المعقولة — قد يكون له جانب إيجابي؛ فهو يدفع الإنسان إلى مزيد من الحرص والانتباه، ويجعله أكثر استعدادا لحماية نفسه ومن يحب، وأخذ الأسباب دون تهور أو إهمال..... لكن الفرق بين القلق الإيجابي والقلق السلبي هو أن الأول يُحرّكك نحو الفعل، بينما الثاني يُقيّدك بالخوف والعجز.
لذلك فالإيمان لا يطلب منك أن لا تخاف، بل أن لا تستسلم للخوف، وأن تجعل منه دافعا للحذر والعمل، لا بابا لليأس والاضطراب… فالقلب الذي يمتلئ بالثقة في الله، قد تهزه المخاوف، لكنها لا ولن تسقطه أبدا.





