الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
ثقافة

«قاهرة نجيب محفوظ».. حين يتحوّل المكان إلى بطل سردي في السينما والأدب

الأحد 01/فبراير/2026 - 10:31 م
ملتقى الإبداع
ملتقى الإبداع

ضمن فعاليات محور «تجارب ثقافية» بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، شهدت القاعة الدولية بلازا 2 ندوة بعنوان «عرض فيلم قاهرة نجيب محفوظ – فلسفة المكان في أدب نجيب محفوظ»، بمشاركة المخرجة والسيناريست أميرة العقي.

والكاتب الصحفي طارق الطاهر، وأدار الندوة الكاتب الصحفي مصطفى الكيلاني، في قراءة بصرية وسردية لعلاقة نجيب محفوظ بالمكان، بوصفه جوهر مشروعه الإبداعي.

في مستهل الندوة، استعاد مصطفى الكيلاني تجربته الشخصية مع القاهرة كما تشكّلت في الوعي الجمعي عبر أعمال نجيب محفوظ، مشيرًا إلى أن أحياء مثل الجمالية، وباب الخلق، وخان الخليلي، وبين القصرين، لم تكن مجرد خلفيات روائية، بل فضاءات حيّة صنعت خيال أجيال كاملة.

 وجعلت القارئ يرى الشخصيات تمشي في الشوارع كما لو كانت من لحم ودم. واعتبر أن الفيلم يعيد فتح هذه الذاكرة الجمعية، بوصفه محاولة بصرية للعودة إلى القاهرة التي أحببناها عبر محفوظ.

من جانبه، أكد طارق الطاهر أن فيلم «قاهرة نجيب محفوظ» عمل تسجيلي بالغ الدقة، يستحق العرض الدائم داخل متحف نجيب محفوظ، لما يقدمه من مدخل سلس وعميق إلى عالم الكاتب، 

مشددًا على أن المكان هو العلامة الفارقة في مشروع محفوظ الروائي، بل إن المكان عنده ليس عنصرًا تابعًا، وإنما هو نجيب محفوظ ذاته.

وربط الطاهر تجربة محفوظ بثلاثة روافد رئيسية حكمت كتابته: القراءة المنهجية العميقة، والمقهى بوصفه فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا، ثم الوظيفة التي تعامل معها محفوظ باعتبارها مكانًا موازيًا للحي والشارع. 

وأوضح أن سنوات عمله في وزارة المعارف، ثم الأوقاف، فوزارة الثقافة، انعكست بوضوح على عالم رواياته، لا سيما في تصويره لعالم الموظفين، معتبرًا رواية «المرايا» نموذجًا دالًا على ذلك.

وتوقف الطاهر عند الجزء الخاص بمتحف نجيب محفوظ في الفيلم، واصفًا إياه بالمعادل الموضوعي لسيرته، مشيرًا إلى أن رحلة إنشاء المتحف استغرقت 13 عامًا، منذ رحيل محفوظ عام 2006 وحتى افتتاحه عام 2019، بعد جدل طويل حول مقره، إلى أن استقر في تكية محمد أبو الذهب، ليصبح اليوم فضاءً ثقافيًا حيًا يوازي إبداعه الأدبي.

من جهتها، كشفت المخرجة أميرة العقي عن كواليس صناعة الفيلم، موضحة أن النسخة المعروضة تمثل نسخة مختصرة من عمل يمتد لنحو ساعة ونصف، وأن فكرة الفيلم وُلدت من مأزق إبداعي.

 قائلة: «كل شيء تقريبًا قُدم عن نجيب محفوظ، وكان لا بد من زاوية جديدة». ومن هنا جاءت فكرة «الكتابة عن الكتابة» أو «الفيلم عن الأفلام»، لتقودها في النهاية إلى فلسفة ارتباط محفوظ بالمكان.

وأكدت أن كل ما قرأته وشاهدته عن محفوظ كان يقودها دائمًا إلى الجغرافيا؛ الجمالية، والحسين، والعباسية، والمقاهي، معتبرة أن انتماءه المكاني كان انتماءً وجوديًا، وأن انتقاله من الجمالية إلى العباسية لم يكن مجرد انتقال سكني، بل جرحًا داخليًا ظل حاضرًا في كتاباته.

 وأوضحت أن رحلة البحث والتصوير استغرقت أكثر من عام، بين العمل الميداني والعودة إلى الأرشيف، ووصفت التجربة بالمرهقة والممتعة في آن واحد.

وفي سياق متصل، فتح طارق الطاهر ملف «السيرة المنقوصة» لنجيب محفوظ، مؤكدًا أن كثافة ما كُتب عنه لم تُغلق باب البحث في سيرته، خاصة من خلال الوثائق الرسمية.

 واستعرض تجربته داخل أرشيف وزارة الثقافة، والتي قادته إلى اكتشاف الملف الوظيفي لمحفوظ، بما يحمله من دلالات مكانية دقيقة، تتعلق بعناوين السكن وتحولاتها وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

كما توقف عند كنوز متحف نجيب محفوظ، وعلى رأسها المكتبة الشخصية، معتبرًا إياها أحد أهم مفاتيح فهم تكوينه الثقافي، مشيرًا إلى أن محفوظ كان يقرأ بالإنجليزية والفرنسية واللاتينية، ويطالع الفلسفة والعلوم والسياسة، وليس الأدب وحده. وأكد أن هذه المكتبة تتيح للباحثين إنجاز دراسات أكاديمية رصينة، لما تضمّه من أعمال محفوظ بمختلف طبعاتها، ودراسات نقدية، وإهداءات تحمل بعدًا إنسانيًا وفكريًا موازياً لسيرته.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن نجيب محفوظ لم يكتب المكان بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه كائنًا حيًا له ذاكرة وروح، وأن القاهرة التي شيدها في أعماله ستظل مفتوحة على قراءات جديدة عبر الأدب والسينما والوثيقة، ما يجعل مشروعه الإبداعي قابلًا للاكتشاف الدائم.