الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
سياسة

من صناديق الاقتراع إلى خلافات اليوم التالي.. أزمة متكررة في قلب حزب الوفد

السبت 31/يناير/2026 - 03:05 م
فوز السيد البدوي
فوز السيد البدوي برئاسة حزب الوفد

من المفارقات اللافتة في المشهد السياسي المصري أن حزب الوفد، الذي يعتبر من أقدم الأحزاب المصرية وأكثرها ترسيخًا للممارسة الديمقراطية على مدار أكثر من مئة عام، أصبح اليوم من أكثر الكيانات الحزبية مواجهة لأزماتها الداخلية. 

فكلما فتحت صناديق الاقتراع داخل الحزب لاختيار رئيس جديد أو تشكيل هيئة عليا، يتركز الاهتمام ليس فقط على هوية الفائز، وإنما على ما ستؤول إليه الأوضاع بعد إعلان النتيجة، ليبرز السؤال الجوهري: هل تمثل الانتخابات فرصة حقيقية لإنعاش الحزب العريق، أم أنها مجرد محطة جديدة ضمن مسار ممتد من الخلافات المتكررة؟

إشكالية اليوم التالي للانتخابات

في الأحزاب المستقرة عادة ما تنتهي المنافسة السياسية بمجرد إعلان النتائج، ويتجه الجميع إلى العمل المشترك وفتح صفحة جديدة، إلا أن هذا النموذج لا يتحقق دائمًا داخل حزب الوفد، حيث غالبًا ما يبدأ الجدل الحقيقي بعد غلق الصناديق، إذ لا يكتفي الطرف الخاسر بإعلان تحفظه على النتائج، بل تتصاعد الاتهامات المتعلقة بالإجراءات وسلامة العملية الانتخابية، لتتحول الخلافات من نقاشات تنظيمية داخلية إلى نزاعات قانونية وبيانات متبادلة، مستنزفة جزءًا كبيرًا من طاقة الحزب ومحددة قدرته على الانشغال في العمل السياسي العام، وهو ما يعكس نمطًا متكررًا منذ سنوات طويلة، الا أنه لم يحدث في الانتخابات الأخيرة.

الانقسامات التاريخية والمتجددة

الاختلافات داخل الحزب ليست طارئة أو استثنائية، فالتاريخ السياسي لحزب الوفد يكشف أن الانقسامات كانت حاضرة في مراحل متعددة من مسيرته، حتى في فترات قوته وتأثيره، ففي الثلاثينيات والأربعينيات، شهد الحزب خروج قيادات بارزة مثل أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي، وتأسيس الحزب السعدي نتيجة خلافات حول إدارة الحزب واتخاذ القرار، كما انتهت علاقة الوفد بأحد أبرز قياداته، مكرم عبيد، في واحدة من أشهر الأزمات التنظيمية، وهو ما يؤكد أن الصلاحيات والقيادة كانت دائمًا محورًا للخلاف.

وفي العصر الحديث، شكل عام 2006 محطة فارقة، عندما تصاعد الخلاف حول رئاسة الحزب بين الدكتور نعمان جمعة ومنافسيه، ولم يُحسم النزاع عبر الأطر التنظيمية، بل انتهى بتدخل القضاء، ما ترك أثرًا سلبيًا طويل الأمد، ورسّخ لجوء الأطراف إلى جهات خارجية لحسم الخلافات الداخلية.

وخلال السنوات الأخيرة، وخاصة في فترتي رئاسة الدكتور السيد البدوي والمستشار بهاء أبو شقة، تكرر مشهد الانقسام بين القيادة الرسمية وتيارات المعارضة داخل الحزب، مثل تيار الإصلاح، حيث أعادت الانتخابات إنتاج حالة الاعتراض والانقسام نفسها، وإن اختلفت الأسماء، لتظل الأزمة متجذرة ومتكررة.

جذور المشكلة: الأشخاص أم آليات الإدارة؟

يطرح هذا التكرار سؤالًا جوهريًا: هل تكمن المشكلة في الأشخاص أم في آليات إدارة الحزب نفسها؟ فبقراءة اللائحة الداخلية تكشف عن تركيز واسع للصلاحيات في يد رئيس الحزب، بما يشمل تعيين اللجان واتخاذ قرارات تنظيمية مؤثرة، وهو ما يضعف دور المؤسسات الجماعية ويجعل أي خلاف في الرأي أقرب إلى صدام تنظيمي.

كما أن الارتباط التاريخي بين الحزب وجريدته الرسمية، تحت إشراف رئيس الحزب على السياسات التحريرية، قد يخلق شعورًا لدى بعض المعارضين بغياب المساحة المتكافئة للتعبير داخل الإطار الحزبي، وهو عامل إضافي يؤدي إلى تراكم التوتر. 

ولا يمكن أيضًا إغفال البعد المالي، إذ يعتمد الحزب أحيانًا على تمويل محدود المصدر، ما يمنح بعض الممولين نفوذًا أكبر ويثير تساؤلات حول توازن التأثير والعدالة داخل الحزب.

سؤال المستقبل: استمرارية الأزمات أم إصلاح حقيقي؟

وبعد استعراض المشهدين التاريخي والراهن، يظل السؤال مطروحًا: إلى أين يتجه حزب الوفد بعد الانتخابات الأخيرة التي أسفرت عن فوز السيد البدوي؟
المسار الأول يتمثل في الاستمرار داخل حلقة متكررة من الخلافات، حيث تؤدي كل انتخابات إلى نزاع جديد، ويظل الحزب منشغلًا بإدارة أزماته الداخلية على حساب حضوره السياسي في الشارع، وهو ما قد ينعكس على صورته لدى الرأي العام ويضعف دوره المؤثر.

أما المسار الثاني، فيتطلب وقفة جادة لتجاوز مسألة الأشخاص، والتركيز على مراجعة قواعد العمل نفسها، من خلال تطوير اللائحة الداخلية، وضمان توازن الصلاحيات، وتعزيز الفصل بين الإدارة والتمويل، وترسيخ ثقافة قبول الاختلاف داخل الإطار التنظيمي، بما يجعل الانتخابات أداة لتجديد العمل السياسي وليس سببًا لتكرار الأزمات.

وفي النهاية، تظل الانتخابات أداة وليست حلاً بحد ذاتها، فإذا لم يصاحبها تغيير في أسلوب الإدارة وطريقة التفكير، ستظل الأزمات تتكرر، وستتغير الأسماء بينما تبقى التحديات قائمة داخل بيت الأمة.