باحث بمرصد الأزهر: ثقافة السؤال حصانة للوعي وسد منيع أمام الغلو والتطرف
أكد إسلام رجب، الباحث بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن الزمن الحالي يشهد تعاملًا واسعًا من كثير من الناس مع أي معلومة على أنها حقيقة مُسلَّم بها، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في الشارع أو حتى في المجال الدراسي، دون سؤال أو تحقق، وهو ما يستغله الخطاب المتطرف الذي يعتمد غالبًا على تقديم أفكار جاهزة مليئة بالأوامر والنواهي والشعارات، لتسهيل تقبّلها دون تفكير، الأمر الذي يقود إلى الوقوع في الغلو أو العنف أو الكراهية.
وأوضح الباحث بمرصد الأزهر، خلال حلقة برنامج "فكر"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن الحل بسيط وفعال للغاية، ويتمثل في ترسيخ ثقافة السؤال، بحيث لا يصدق الإنسان أي شيء مباشرة، بل يسأل ويتحقق ويفكر ويناقش، ولا يسمح لأحد أن يزرع داخله أفكارًا بشكل أعمى، مشددًا على أن ثقافة السؤال لا تعني الشك في الدين أو الطعن في العقيدة، بل على العكس هي وسيلة لفهم الدين فهمًا صحيحًا، وتحصين النفس من أي خطاب خاطئ أو متطرف.
وأشار إسلام رجب إلى أن ثقافة السؤال أصل راسخ في القرآن الكريم والسنة النبوية، وجزء أساسي في حماية الوعي من الغلو والانحراف، لافتًا إلى أن القرآن نفسه كرر صيغة «يسألونك» في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: يسألونك عن الروح، يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن الخمر والميسر، يسألونك عن الشهر الحرام، وهو ما يدل على أن السؤال ليس مرفوضًا بل مطلوب ومشروع، وأن الله سبحانه وتعالى فتح باب الفهم بالحوار وليس بالأوامر المجردة دون معرفة الأسباب.
وأضاف أن القرآن الكريم رسّخ كذلك مبدأ الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص، مستشهدًا بقوله تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، موضحًا أن هذه الآية تؤكد أن ليس كل خبر يُؤخذ ويُنشر، ولا كل فكرة تُصدَّق، بل أي أمر فيه لبس أو خطورة يجب الرجوع فيه إلى أهل العلم والعقل والحكمة والاختصاص، وهو ما يؤسس لثقافة السؤال المنضبط والاحتكام إلى المرجعيات الموثوقة، ويقطع الطريق على الفكر المتطرف الذي يعيش على الفوضى المعرفية وتصدير الفتاوى الجاهزة دون علم.
وبيّن الباحث بمرصد الأزهر أن السنة النبوية أكدت هذا المعنى عمليًا، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أدق تفاصيل حياتهم في العبادة والمعاملة والأخلاق، وحتى في المواقف الصعبة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يغلق باب السؤال أو يوبّخ السائل، بل كان يعلّم ويبسط ويصحح المفاهيم، وهو ما يمثل نموذجًا عمليًا لترسيخ الفهم الصحيح.
وأكد على أن ثقافة السؤال تحمي الإنسان من تقبّل أي خطاب جاهز أو شعارات متطرفة دون وعي، لأن من تربّى على السؤال يفكر قبل أن يصدق، ويفهم قبل أن يتحمس، ويميز بين الدين الصحيح والخطاب الذي يستغله، مشيرًا إلى أن السؤال القائم على التفكير والتحليل وإعمال العقل هو منهج قرآني ونبوي، لقوله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالعلم ليس حفظ كلمات فقط، بل فهم واستيعاب وبناء وعي يحمي الإنسان من الغلو والتطرف.





