د. أحمد أبو علي يكتب: الناس لا تأكل الناتج المحلي الإجمالي
يشهد العالم في عام 2026 واحدة من أكثر اللحظات اضطراباً في التاريخ المعاصر، حيث انتهى النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية دون أن يولد نظام جديد يضبط حركة الاقتصاد العالمي أو يحفظ قواعد التوازن الجيوسياسي. نحن نعيش في منطقة رمادية تشبه مرحلة ما بين الحربين، حيث يسود الفراغ وتظهر القوى الضارية التي تفرض إرادتها بالقوة، وتتمدد في الفراغ، ويتحول الاقتصاد العالمي من “قرية صغيرة” إلى “غابة كبيرة” تتصارع فيها الدول على الموارد والممرات والمياه والتكنولوجيا، بينما تتعرض الاقتصادات الهشة لاهتزازات حادة تجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وتدفقات رأس المال والسلاسل الإنتاجية.
وفي ظل هذه البيئة القاتمة، لا يصبح السؤال: كيف يبدو الناتج المحلي الإجمالي؟ بل: كيف يعيش المواطن؟ وما مدى قدرته على تحمل صدمات الأسعار وتقلبات الدخل وارتفاع تكلفة الخدمات؟ لهذا تؤكد خريطة الطريق المطروحة لعام 2026 أن الفجوة بين “الإكسيل” و”الواقع” تزداد اتساعاً، فبينما تتحدث الحكومة عن انخفاض الدين إلى الناتج المحلي وتحسن المؤشرات الكلية واعتدال معدلات التضخم، يدرك المواطن تماماً أن هذه الأرقام لا تغيّر من حقيقة يومية ثابتة: الأسعار مازالت ترتفع وإن كان بوتيرة أبطأ، والدخل الحقيقي لم يتعافَ بعد، والخدمات لم تواكب ما تم ضخه من استثمارات ضخمة خلال السنوات الماضية.
هنا تظهر المعضلة الحقيقية؛ فهبوط التضخم رقمياً لا يعني بالمطلق هبوط الأسعار، بل يعني فقط أنها ترتفع ببطء، ولهذا يشعر المواطن أن المعاناة مستمرة، وأن المؤشرات الكلية منعزلة عن حياته. والحكومة تتحدث بلغة الاقتصاد الكلي، بينما يعيش المواطن في عالم الاقتصاد الجزئي، وبين اللغتين تضيع الحقيقة ويختفي الأثر المطلوب: تحسين جودة الحياة. ولذلك يصبح غياب “البرنامج التنفيذي” هو الحلقة المفقودة في عملية الإصلاح، فمصر تمتلك سردية اقتصادية واضحة ورؤية معلنة واستراتيجية شاملة، لكنها تحتاج إلى ترجمة هذه الرؤية إلى برنامج زمني محدد، تفصيلي، قابل للقياس شهرياً وليس سنوياً، مرتبط بمؤشرات تتعلق بالفقر والتشغيل ومتوسط الدخل الحقيقي، وليس فقط بالنمو والدين والاحتياطي.
إن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ – أو ما أسميه «Execution Gap» – تمثل أكبر تهديد لأي إصلاح اقتصادي، لأنها تجعل الخطة مجرد نوايا حسنة، وتحول الرؤية إلى مستندات بلا أثر، وتمنح الأرقام قدرة على التحرك في اتجاه بينما يتحرك المواطن في اتجاه آخر. والبرنامج التنفيذي المطلوب يجب أن يحدد مسؤوليات كل جهة حكومية، ويضع آليات محاسبة معلنة، ويُظهر بوضوح ما تحقق وما لم يتحقق، ويقدم تحديثاً شهرياً للرأي العام، لأن الشفافية هنا ليست ترفاً بل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة بين المواطن والحكومة، ولتحقيق انضباط تنظيمي في اتخاذ القرارات الاقتصادية بعيداً عن الارتجال أو التردد أو تضارب الاختصاصات.
وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع صندوق النقد الدولي اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من الاعتماد على التمويل الخارجي إلى بناء نموذج إنتاجي قائم على التنافسية. أتمنى – ويشاركني كثيرون هذا التمني – أن يكون البرنامج الحالي هو الأخير بلا رجعة، ليس رفضاً للصندوق، ولكن لأن الاعتماد المستمر عليه يعني أن الهيكل الاقتصادي الداخلي مازال هشاً، وأن مصادر العملة الأجنبية غير مستقرة، وأن الإنتاج المحلي لم يحقق القدرة المطلوبة على الإحلال محل الواردات، وأن الاقتصاد الحقيقي مازال أقل نمواً من الاقتصاد المالي.
إن مصر تحتاج إلى نموذج اقتصادي جديد يقوم على توطين التنمية وليس استيراد حلول جاهزة، نموذج يجعل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا أساساً للنمو، ويعيد تشكيل هيكل الدولة بما يسمح للقطاع الخاص بالعمل، ويعالج مشاكل سعر الصرف من جذورها عبر زيادة الموارد الدولارية وليس عبر رفع الفائدة أو الاقتراض، ويقدم رؤية واضحة لحجم الدولة ودورها وحدودها في السوق. ومن دون إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتحديد القطاعات ذات الأولوية القصوى، وتحرير المسار الصناعي من البيروقراطية والتكلفة المرتفعة والطاقة غير المستقرة، لن يتحقق التحول المطلوب.
وإذا قمنا بتشريح جسد الاقتصاد المصري سنجد أن أول التحديات يتمثل في استقرار سعر الصرف، فالمستثمر المحلي والأجنبي لا يستطيع بناء خطط طويلة المدى في ظل تقلبات عنيفة. يلي ذلك هيمنة الاستيراد على سلة استهلاك المواطن، وهو ما يجعل أي اضطراب خارجي ينتقل إلى الداخل فوراً، ويؤدي إلى موجات تضخم متتالية. ثم تأتي الصناعة التي تحتاج إلى خريطة إنتاج واضحة، ومناخ تشريعي مرن، وتمويل أقل تكلفة، وصادرات مدعومة، وربطاً مباشراً بين الجامعات والاحتياجات الصناعية. ويضاف إلى ذلك قطاع الزراعة الذي يشكل محور الأمن الغذائي، والذي يحتاج إلى تحديث نظم الري، وتقليل الفاقد، وتطوير سلاسل الإمداد والتخزين، وتوجيه الاستثمارات نحو المحاصيل الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية.
أما القطاع الخاص، فهو لا يستطيع أن يتوسع أو يجذب رأس مال جديد طالما أن قواعد المنافسة غير واضحة، وطالما أن الدولة غير محددة فيما إذا كانت شريكاً أم منافساً أم منظمًا. والقطاع الخاص يحتاج رؤية واضحة، سقفاً للضرائب، استقراراً في السياسات، وتحديداً للقطاعات المفتوحة والمغلقة، وآليات تحفيز حقيقية للتمويل والإنتاج والتصدير.
وبالنظر إلى سيناريوهات 2026، فإن الصورة تنقسم بين مسارين: الأول متفائل، يتحقق فيه الاستقرار النقدي عبر نمو موارد الدولار من صادرات وسياحة وقناة السويس واستثمار أجنبي مباشر، وتتراجع فيه معدلات البطالة عبر توسع صناعي وزراعي حقيقي، وتنخفض الأسعار تدريجياً بفضل إنتاج محلي ينافس الواردات، ويتعافى فيه الدخل الحقيقي للمواطن. أما السيناريو الآخر، فهو أكثر قتامة، ويحدث إذا استمرت الفجوة بين الرؤية والتنفيذ، وبقيت المؤشرات الكلية في وادٍ والمواطن في وادٍ آخر، واستمرت الدولة في الاعتماد على الاقتراض الخارجي دون تعزيز الإنتاج المحلي، وتفاقمت الضغوط على سعر الصرف، وارتفعت تكلفة الواردات، واستمرت الأسعار في الصعود، وتراجعت القوة الشرائية للمواطن.
وفي النهاية، لا يمكن قياس نجاح الاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة عبر نسب الدين للناتج المحلي أو عبر معدلات النمو المجمّلة، بل عبر قدرة المواطن على الصمود، واستقرار دخله، وتحسن مستوى خدماته، وتراجع تكلفة معيشته. إن الناس لا تأكل الناتج المحلي الإجمالي، ولا تعيش من المؤشرات الكلية، بل من أثر السياسات الاقتصادية على حياتها اليومية. ولهذا يصبح السؤال الحاسم الآن: هل تستطيع الحكومة تحويل السردية إلى برنامج تنفيذي ملموس؟ أم سنظل ندور في فلك الأرقام بينما يتآكل الاقتصاد الحقيقي ويزداد الضغط على المواطن؟
هذا هو التحدي… وهذه هي لحظة الحقيقة





