تهافت أساطير "هاكابى"
الصهيونية ليست فكرة ولا حركة دينية ، ولا علاقة لها بدعوى السامية حسب المرويات الدينية ، التى تؤكد انتساب عرب المشرق كما يهوده للعرق السامى ، بينما الصهيونية فكرة عرقية غربية ، دعواها أن اليهود عرق نقى ثابت الصفات على مر آلاف السنين ، وتوازى صعود الفكرة الصهيونية مع انتعاش النظرات العرقية فى أوروبا ، والتمهيد لاستعمار العالم بدعوى الرسالة الحضارية للعرق الأبيض المتفوق بطبيعته ، وعلى مدى قرون ، تواترت وقائع مأساوية عن اضطهاد اليهود فى البيئة الأوروبية المسيحية عموما ، وكانت لها أسباب اقتصادية واجتماعية قبل وبعد عناوينها الدينية ، وبمزيج من تعقيدات الوضع الأوروبى نهايات القرن التاسع عشر ، قاد الصحفى "تيودور هرتزل" ـ النمساوى النشأة ـ دعوة الصهيونية حركيا ، وما أسماه ضرورة إنشاء "الدولة اليهودية" ، وبتعاون مباشر مع القوى الاستعمارية الكبرى ، ولم يكن "هرتزل" يهوديا متدينا على أى نحو ، تماما كقادة الحركة الصهيونية المؤسسين لدولة الاحتلال ، فلم يكن "حاييم وايزمان" أول رئيس لدولة "إسرائيل" متدينا ، ولا كان "ديفيد بن جوريون" مؤسس الدولة وأول رئيس لوزرائها كذلك ، بل كان "بن جوريون" يعلن إلحاده جهارا نهارا ، ولم يكن ينظر إلى أساطير التوراة ونصوصها من موقع تقديس ولا التزام ، بل كان يعتبرها وسائل مفيدة فى دفع عوام اليهود للهجرة إلى فلسطين ، وكان يرى كأسلافه ، أن كيان "إسرائيل" يقوم أساسا بالسلاح واستثمار العلاقات والظروف الدولية ، وهكذا كانت سير أغلب خلفاء "بن جوريون" إلى اليوم ، من التحالف مع بريطانيا وفرنسا وقت زهوهما الاستعمارى ، والانتقال من الاعتماد على "بريطانيا العظمى" ، إلى الاعتماد على القوة الأمريكية الأعظم إمبرياليا مع وبعد عدوان 1967 بالذات ، ومع تزوير الحقائق وقلب الصفات ، كاعتبار احتلال فلسطين استقلالا لليهود ، وسرقة اسم "إسرائيل" نفسه من مدونات التاريخ التوراتى وأنبيائه .
وعلى مدار تاريخ كيان الاحتلال منذ نحو ثمانين سنة ، كان إدعاء الصهيونية الأول ، أن فلسطين أرض بلا شعب تعطى لشعب بلا أرض (!) ، وكان بروز حقيقة وجود الشعب الفلسطينى ، وتكاثره وانتشاره على أرضه المقدسة ، رغم تعاظم مذابح الإبادة وطرد ملايين الفلسطينيين منذ نكبة 1948 ، فقد أصبح عدد الفلسطينيين أصحاب الأرض ـ بعد كل ما جرى ـ يفوق عدد اليهود المجلوبين إلى الأرض المقدسة من "نهر الأردن" إلى البحر المتوسط ، كانت الحقيقة الفلسطينية القديمة المتجددة دافعا إلى جنون وتوحش أفكار اليمين الدينى القومى داخل الكيان ،وتحول الظاهرة الصهيونية من بناء كيان استعمارى استيطانى إحلالى يطرد الفلسطينيين ، إلى إضافة المعنى الإفنائى لوجود الفلسطينيين من أصله ، وتضاعف اطراد نفوذ حركة اليمين "الإسرائيلى" فى الثلاثين سنة الأخيرة ، مع إضافة لمسات توراتية متزايدة إلى أفكار اليمين "الليكودى" العلمانى سابقا ، ونشأة حالة "بنيامين نتنياهو" وأشباهه ، التى سيطرت على المشهد الأمامى "الإسرائيلى" عبر العقود الأخيرة ، وسعت إلى تأكيد التطابق والاندماج الاستراتيجى بين أمريكا و"إسرائيل" ، وتعميق معنى الارتباط مع واشنطن إلى ما هو أبعد من مجرد اعتبار "إسرائيل" قاعدة أمريكية متقدمة ، واصطناع أساس أيديولوجى ، يعتمد على أساطير التوراة وتحريف معانى نصوصها ، وجعل اختيار ممثلى واشنطن بالمنطقة من اختصاص الحكومة "الإسرائيلية" ، وأولهم سفير أمريكا فى الكيان بالذات ، وصولا إلى اختيار "ديفيد فريدمان" زمن رئاسة "دونالد ترامب" الأولى ، و"فريدمان" كان ولا يزال صهيونيا يهوديا متعصبا ، وشريكا مباشرا فى استيطان وتهويد القدس والضفة الغربية ، ثم جاء "مايك هاكابى" إلى المنصب نفسه فى رئاسة "ترامب" الحالية ، و"هاكابى" قس إنجيلى ، ترك الخدمة فى كنيسته "المعمدانية" ، وانتقل لنشاط سياسى فى صفوف الحزب الجمهورى ، وخاض دون توفيق تجربة الترشح فى انتخابات الرئاسة عام 2008 ، وصار من أقرب أصدقاء "ترامب" ، الذى اختاره ممثلا خاصا لرئاسته لدى كيان الاحتلال .
ولم تكن تصريحات "هاكابى" الأخيرة سقطة أو زلة لسان ، فعقيدته هى نفسها ، التى يخدمها أزلام وأصهار "ترامب" ، من نوع مبعوثيه المفضلين "ستيف ويتكوف" وصهره "جاريد كوشنير" ، وهما صهيونيان متعصبان ، فوق كونهما من الصفوة "الترامبية" المولعة بقنص الصفقات المالية ، وجعل غزوات الجيوش الأمريكية وسائل نافذة لتكريس "حكم اللصوص" ، والوصف اللاذع لمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية الفصلية بعددها الجديد مارس ـ أبريل 2026 ، عبر دراسة لأستاذى السياسة الأمريكيين "الكسندر كونى" و"دانيال نيكسون" بعنوان "عصر حكم اللصوص " ، موضوع الدراسة تحليل لسياسات "ترامب" أمريكيا وعالميا ، وبالتوازى مع ما يفعله ترامب فى السياسة والواقع ، وما يفعله "ويتكوف" و"كوشنير" باسم "السلام الترامبى" المصنوع بالقوة ، ونزح موارد المنطقة إلى جيوب شلة مليارديرات "ترامب" ، وتسخير الموارد العسكرية الأمريكية فى المنطقة المركزية لخدمة "إسرائيل" ، بينما يقوم "هاكابى" بواجب الخدمة الدينية كصهيونى مسيحى ، ليس فقط بدلالة مزاعمه الأخيرة عن "الحق التوراتى" فى احتلال "إسرائيل" الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات ، وحقوق "إسرائيل" "المقدسة" (!) فى الاستيلاء على سوريا ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر والسعودية ، وهو ما جاء استطرادا لمزاعمه الصهيونية الصرفة منذ أتى إلى مهمته ، فقد قال مرارا أنه لا يوجد شئ اسمه فلسطين ، ولا شئ اسمه الضفة الغربية ، ولا شئ اسمه استيطان يهودى ولا مستوطنات غير شرعية ، بل هى ـ فى زعمه ـ أحياء ومدن لليهود على أرضهم التاريخية فى "يهودا" و"السامرة" ، وأنه لاحق للفلسطينيين بإقامة كيان أو دولة مستقلة فى الضفة وغزة والقدس ، واستنكر الإجماع الدولى الغالب على دعم إقامة دولة فلسطينية على الأراضى المحتلة فى عدوان 1967 ، وقال ببساطة "يمكنهم إقامة كيان للفلسطينيين فى السعودية أو فى شبه جزيرة سيناء" ، وهى أقوال مستنسخة وطبق الأصل من تصريحات "نتنياهو" و"إيتمار بن غفير" وبتسلئيل سموتريتش" وأشباههم فى الحكومة وخارجها !.
وكان "هاكابى" صريحا فى تأكيد التأييد الأمريكى مبكرا لما أسماه حق إسرائيل المطلق فى الضم الرسمى التام للضفة الغربية ، بعد ضم القدس نهائيا بتأييد "ترامب" فى رئاسته الأولى ، وبدت أقوال "هاكابى" أكثر صدقا من تصريحات "ترامب" المراوغة ، فقد ادعى الرئيس الأمريكى معارضته لضم الضفة الغربية ، ثم تبين أن ذلك كان مجرد مخادعة لفظية ، وأن الهدف كان تسهيل عملية ابتلاع تريليونات الدولارات من أطراف عربية غنية بفوائضها المالية ، وحين كادت تكتمل عمليات ضم "إسرائيل" فعليا ونهائيا للضفة الغربية ، فوق نقل ملكية "غزة" بعد حرب الإبادة الجماعية إلى حوزة واشنطن نيابة عن "إسرائيل" ، لم يصدر عن "ترامب" ولا إدارته أى استنكار لما تقوم به "إسرائيل" فى الضفة ، ولا لاحتلالها المتصل لأكثر من نصف مساحة قطاع "غزة" ، ولا لاستمرارها اليومى فى تدمير وقصف كل "غزة" ، رغم وقف إطلاق النار المعلن من قبل "ترامب" ومجلس سلامه العبثى ، ومليارات الإعمار الوهمى التى تتدفق إلى خزانة واشنطن ، بينما كان صوت "هاكابى" صريحا مباشرا ، وممثلا لنزعة الصهيونية المسيحية الداعمة لإدارة "ترامب" اللصوصية ، المتحالفة كتفا بكتف مع دوائر اللوبى الصهيونى المسيطر لا يزال فى دوائر صنع قرار واشنطن .
ادعى "هاكابى" ـ كما بات معروفا ـ حقا توراتيا للكيان "الإسرائيلى" فى إقامة دولته الكبرى من الفرات إلى النيل ، واستند إلى تفسير مشوه لعبارة فى "سفر التكوين" التوراتى ، تقول أن الرب أعطى للنبى "إبراهيم" ونسله (من اليهود حصرا لا من العرب) كل أراضى الشرق الأوسط من العراق إلى مصر ، وحين فاجأه محاوره الإعلامى الأمريكى الشهير "تاكر كارلسون" باقتراح مباغت ، مفاده إجراء اختبار جينى (d.n.a) لكل المقيمين على أرض فلسطين اليوم ، ومعرفة أيهم أحق وأكثر ارتباطا بالأرض ، ابتلع "هاكابى" لسانه وغمغم ورفض الاقتراح ، ربما لأنه أدرك وقوعه فى فخ ، وأن إثباتات العلم الأحدث تدحض افتراءاته المنسوبة للتوراة ، وأن الحقيقة كلها ربما تتكشف ، فأغلب يهود اليوم ـ داخل الكيان وفى الخارج الغربى ـ بلا علاقة نسب متصل تجمعهم بيهود التوراة القدامى ، وأغلبهم من أصول يهود "مملكة الخزر" ، التى تأسست وقامت بين القرنين السابع والثانى عشر الميلادى ، وكانت ممتدة فى جنوب روسيا الحالية بين "بحر قزوين" و"البحر الأسود" ، وتهود غالب أهلها لأسباب سياسية وبأوامر ملكية ، وليس فى الدين اليهودى "تهود" ولا تبشير ولا دعوة ، وتفرق هؤلاء "المتهودون " بعد تحطيم المملكة فى روسيا وأوكرانيا وبولندا وشرق أوروبا عموما ، وكانوا الشريحة الأكبر لليهودية "الأشكنازية" ، التى قامت بينها الحركة الصهيونية وصولا إلى احتلال فلسطين ، وخرج من نسلها أغلب قادة "إسرائيل" إلى اليوم ، فلا "حق توراتى" لهؤلاء من أصله ، ومزاعم "هاكابى" متهافتة فى موازين العلم والتاريخ ، والوجود العربى الفلسطينى هو الأصل البشرى الغالب فى كل فلسطين منذ ما قبل "النبى إبراهيم" إلى اليوم وإلى الغد بإذن الله .
[email protected]





