أهمية الصحافة الخاصة في مصر… ولماذا يجب حمايتها الآن؟
في لحظة فارقة من عمر الإعلام المصري، تتداخل التحديات المهنية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتزداد الحاجة إلى نقاش هادئ ومسؤول حول مستقبل الصحافة ودورها في بناء الوعي وحماية الاستقرار.
فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أحد مكونات الأمن المعنوي للدولة، وأداة رئيسية في تشكيل الرأي العام، في زمن تتراجع فيه الحقيقة أمام سرعة الانتشار وسطوة المنصات الرقمية.
من هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة بوصفها محاولة للفهم لا للمواجهة، ودعوة للحوار لا للصدام، تسعى إلى إعادة طرح سؤال جوهري: كيف نحمي الصحافة الخاصة باعتبارها ركيزة للتوازن، وشريكًا في بناء الوعي، لا عبئًا أو خصمًا؟
أهمية الصحافة الخاصة في مصر
تمثل الصحافة الخاصة أحد أهم أعمدة التوازن في المشهد الإعلامي المصري، ليس باعتبارها بديلًا عن الإعلام الرسمي، ولا بوصفها صوتًا معارضًا بطبيعته، وإنما باعتبارها شريكًا أساسيًا في بناء الوعي العام وصناعة النقاش المجتمعي الرشيد.
فالصحافة الخاصة تقوم بدور لا غنى عنه، إذ:
• تنقل هموم المجتمع وقضاياه اليومية
• ترصد القصور وتسلّط الضوء على المشكلات
• تفتح مساحات للتنوع وتعدد الآراء
• وتكسر احتكار الرواية الواحدة
ومن هنا، فإن الصحافة الخاصة الوطنية ليست دعائية، وليست خصمًا للدولة، بل أحد أدوات تصحيح المسار المبكر ودعامة للاستقرار حين تعمل في إطار مهني مسؤول.
وإضعاف هذا الدور، أو التضييق عليه، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يخلق فراغًا خطيرًا، تملؤه منصات غير مسؤولة أو مصادر خارجية لا يعنيها الوعي الوطني.
لماذا يجب حماية الصحافة الخاصة؟
حماية الصحافة الخاصة لا تعني إعفاءها من المحاسبة، وإنما تعني تنظيمًا عادلًا يضمن:
• بيئة عمل مستقرة
• حماية الصحفي والمؤسسة معًا
• استدامة اقتصادية للمؤسسات الصحفية
• إطارًا واضحًا يميّز بين التنظيم والتقييد
فالصحافة لا تُنتج بالكلمة وحدها، بل تحتاج إلى تمويل، وإدارة، واستثمار، وهي عناصر لا يمكن أن تستمر في مناخ مضطرب أو غير آمن.
من يحمي الصحافة الخاصة؟ (آليات مطلوبة)
إذا كانت نقابة الصحفيين تحمي الصحفيين، فإن المرحلة الراهنة تفرض توسيع دائرة الحماية لتشمل الصحافة الخاصة ذاتها، من خلال مسارات مؤسسية واضحة، من بينها:
أولًا: إدماج أصحاب الصحف في كيان نقابي منظم
بصيغة قانونية تضمن:
• حمايتهم من الاستهداف أو الاتهام الجماعي
• اعتبارهم شركاء في المنظومة الإعلامية
• توفير مظلة قانونية عادلة دون المساس باستقلال النقابة
ثانيًا: إنشاء اتحاد للصحف الخاصة
كيان مستقل يعمل بالشراكة مع نقابة الصحفيين، يهدف إلى:
• دعم أصحاب المؤسسات الصحفية
• الدفاع عن الصحف الخاصة
• تمثيلها أمام الدولة والجهات التنظيمية
• توفير غطاء قانوني واقتصادي آمن للاستثمار الإعلامي
اتحاد لا ينافس النقابة، بل يكمل دورها ويحمي المهنة من الداخل.
عزوف رجال الأعمال… الأزمة المؤسسية قبل أن تكون الاقتصادية
لا يمكن فهم أزمة تمويل الصحافة الخاصة دون الاعتراف بأن عزوف رجال الأعمال عن إنشاء أو تمويل الصحف الخاصة لم يكن سببه اقتصاديًا فقط، بل مؤسسيًا بالأساس.
ففي فترات سابقة، تحولت العلاقة بين بعض النقابات الصحفية والصحف الخاصة من علاقة تنظيم وتفاهم، إلى علاقة صدام وقطيعة، وجد فيها أصحاب الصحف أنفسهم بلا حماية حقيقية:
• الدولة لا تدعم الصحف الخاصة
• النقابة لا تمثل أصحاب المؤسسات
• والضغوط قد تطال الكيان كاملًا بدل مساءلة فردية مهنية
في هذا المناخ، اختار كثير من أصحاب الصحف إغلاق مؤسساتهم الإعلامية أو الانسحاب التدريجي، حفاظًا على استثماراتهم وسمعتهم.
تجربة شخصية تكشف الخلل
ومن واقع تجربة شخصية في مرحلة سابقة، حين وافقت ـ بصفتي مسؤولًا عن جريدة الطريق ـ على إتاحة مساحة أوسع من الحرية المهنية للصحفيين، لم تكن المحاسبة ـ حين وقعت ـ محاسبة مهنية فردية للصحفي، بل وُجّهت إلى صاحب الصحيفة نفسه، وانعكست آثارها على المؤسسة وعلى مشروعاتي الاقتصادية.
ولا تُروى هذه التجربة بدافع الشكوى، ولا تُطرح كاتهام للحاضر، وإنما كشهادة للتعلم من الماضي حتى لا يتكرر.
تنويه ضروري: لسنا في خصومة مع الحاضر
من المهم التأكيد أن ما يُطرح هنا يخص نظامًا سابقًا وظرفًا مختلفًا، ولا يُوجَّه كتشكيك فيما هو قائم اليوم، بل هو دعوة للعمل للمستقبل، وإزالة هاجس الخوف من عقول مستثمري الإعلام، والتأكيد على أن دعم الحرية المهنية لن يتحول إلى عبء أو مخاطرة غير محسوبة.
نحن نستدعي الدرس… لا الخوف.
فماذا تضمن النقابة والصحفي لمستثمري الإعلام؟
إذا كنا نطالب المستثمر بالتمويل والاستمرار، فمن العدل تحديد الضمانات بوضوح.
تضمن نقابة الصحفيين:
• محاسبة مهنية فردية لا جماعية
• الفصل بين الملكية والتحرير
• الحوار قبل التصعيد
• حماية الكيان الصحفي لا إضعافه
ويضمن الصحفي المهني:
• الالتزام بميثاق الشرف
• تحمّل المسؤولية الفردية عن المحتوى
• عدم تحميل المؤسسة تبعات خطأ مهني شخصي
بهذه المعادلة وحدها تُبنى الثقة.
الأخبار الكاذبة واستهداف مستثمري الإعلام
من أخطر ما يواجه الاستثمار الإعلامي اليوم انتشار الأخبار الكاذبة والتشهير بمستثمري الإعلام، أحيانًا من مواقع شقيقة داخل المجال نفسه.
هذا السلوك يهدم الثقة، ويضرب سمعة الكيانات الوطنية، ويحوّل المنافسة الإعلامية إلى تصفية حسابات، بينما المنافسة الحقيقية تكون بالمحتوى والجودة، لا بتشويه الأشخاص.
وحماية المستثمر من الأخبار الكاذبة لا تعني تحصينه من النقد، بل تحصين الحقيقة وحماية المهنة.
تعقيب على ما طرحه الدكتور حماد الرمحي
وفي هذا السياق، لا يفوتني التوقف عند ما طرحه الصديق المحترم الدكتور حماد الرمحي في سلسلته المهمة حول «هندسة الرأي العام» وخطورة الخوارزميات والمنصات الرقمية على الوعي الجمعي، وهي أطروحات عميقة تؤكد أن الصحفي أصبح خط الدفاع الأول عن العقل العام والأمن المعنوي للدولة.
غير أن دعم الصحفيين – رغم ضرورته الوطنية – لا يمكن أن يحقق غايته إذا اقتصر على الصحفي بوصفه فردًا، دون الالتفات إلى حماية الصحافة ذاتها كمؤسسات وطنية. فالصحفي لا يواجه الخوارزميات وحده، بل يعمل داخل مؤسسة تموّل وتنتج وتتحمل المخاطر وتوفّر الغطاء القانوني والمهني.
ومواجهة هندسة الرأي العام لا تتم بالشعارات أو التدريب وحده، بل بمنظومة متكاملة تقوم على:
• صحافة مستقرة اقتصاديًا
• صحفي محمي مهنيًا
• مؤسسة مطمئنة قانونيًا
• نقابة محايدة تنظّم ولا تسيّس
• ودولة ترعى ولا تهيمن
فلا يمكن هزيمة الخوارزميات بصحفي جائع،
ولا كسر الشائعة في غرفة أخبار مهددة بالإغلاق.
الخلاصة
نحتاج اليوم إلى:
• حوار إعلامي هادئ يعيد الثقة
• صحافة خاصة قوية تحفظ التوازن
• نقابة واعية تحمي دون صدام
• مستثمر مطمئن يموّل دون خوف
فلا صحافة بلا تمويل،
ولا تمويل بلا ضمانات،
ولا ضمانات بلا شراكة عادلة
بين النقابة، والصحفي، والمؤسسة، والدولة.
مدحت بركات





