ندوة ثقافية بعنوان «التطور الرقمي.. الأدب والرقمنة» ضمن فعاليات معرض بورسعيد التاسع للكتاب
نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ندوة ثقافية بعنوان «التطور الرقمي.. الأدب والرقمنة»، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي للدورة التاسعة من معرض بورسعيد للكتاب، بمشاركة المهندس زياد عبد التواب، عضو المجلس الأعلى للثقافة، والشاعر أحمد مجدي، والكاتب أحمد ياسر فتحي، وأدارتها الناقدة والباحثة الدكتورة ولاء الشامي، وسط حضور لافت من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي؛ تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء إبراهيم أحمد أبو ليمون، محافظ بورسعيد.
وفي مستهل الندوة، أكدت الدكتورة ولاء الشامي أن الأدب لم يكن يومًا منفصلًا عن الوسيط الذي يُقدم من خلاله، مشيرة إلى أن رحلة الكتابة بدأت بالنقش على الحجر، ثم انتقلت إلى الورق المطبوع، وصولًا إلى الشاشة الرقمية، وهو تحول فرض أسئلة جديدة حول مستقبل الإبداع.
وأوضحت أن هذا التحول يمكن قراءته عبر ثلاثة مستويات رئيسية، أولها رقمنة الكتاب من خلال توفير نسخ رقمية تحفظه من الضياع، كما هو الحال في المشروعات الرقمية الكبرى مثل مكتبة الإسكندرية الرقمية، وثانيها رقمنة النشر التي أسهمت في تقليل الإجراءات التقليدية وفتحت المجال أمام عدد أكبر من الكتّاب، لكنها في الوقت نفسه خلقت تحديًا جديدًا يتمثل في قدرة القارئ على الوصول إلى الكاتب وسط هذا الزخم الهائل من المحتوى.
وأضافت أن المستوى الثالث والأكثر عمقًا يتمثل في رقمنة الإبداع نفسه، حيث ظهرت أشكال جديدة مثل الرواية التفاعلية التي يشارك فيها القارئ في اختيار مسار الأحداث، إلى جانب النصوص التي تُنتج بالتعاون مع نماذج الذكاء الاصطناعي أو تعتمد عليها بصورة كاملة قبل أن يعيد الكاتب تحريرها، مؤكدة أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بإمكانية استخدام هذه الأدوات، وإنما بما كسبه الأدب وما فقده، وكيف يمكن الحفاظ على إنسانية الكتابة وسط هذه التحولات المتسارعة.
من جانبه، استعرض المهندس زياد عبد التواب تاريخ الكتاب الرقمي منذ ظهوره عام 1971، مرورًا بالمراحل المختلفة لتطوره حتى الوصول إلى عصر الذكاء الاصطناعي، موضحًا الفروق بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الرقمي والكتاب الذكي، وآليات توظيف الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية.
وأشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأدب يطرح تحديات حقيقية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، والانحيازات الكامنة في النماذج الرقمية، وغياب الخبرة الإنسانية والمشاعر التي تُعد جوهر العمل الأدبي، مؤكدًا أهمية التعامل مع هذه التقنيات بصورة إيجابية ومسؤولة، مع الحفاظ على مهارات التفكير النقدي والتعبير والإنتاج الثقافي، والقدرة على مواجهة مخاطر سيطرة الخوارزميات والتزييف العميق.
وأضاف عبد التواب أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقوم على الرفض أو الانبهار المطلق، وإنما على الوعي بكيفية توظيفه، موضحًا أن هذه التقنيات قادرة على تسريع عمليات البحث وتحليل المعلومات وتقديم أدوات مساعدة للمبدعين، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن العقل النقدي أو الخيال الإنساني.
وأكد أن بناء وعي رقمي لدى الأجيال الجديدة أصبح ضرورة، ليس فقط لاستخدام التكنولوجيا بكفاءة، وإنما أيضًا لتمييز المحتوى الحقيقي من المزيف، وحماية الهوية الثقافية والإبداعية في ظل التطور المتسارع الذي يشهده العالم الرقمي.
من جانبه، شدد الشاعر أحمد مجدي على أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع منافسة الإبداع الإنساني، لأنه يعتمد على إعادة تركيب كم هائل من البيانات للوصول إلى الشكل المطلوب، بينما يولد الإبداع الحقيقي من التجربة الشخصية والموهبة والبصمة الخاصة بكل مبدع.
وأوضح أن الكاتب أثناء الكتابة كثيرًا ما يفاجأ بأفكار جديدة لم يكن يخطط لها، وهو ما يجعل العمل الأدبي تجربة إنسانية متجددة لا يمكن التنبؤ بها، في حين أن الذكاء الاصطناعي يقدم نتائج تعتمد على الأنماط السابقة، ولا يملك عنصر الدهشة أو التجربة الحياتية.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعش الألم أو الحب أو الخوف أو الفرح، ولم يخض تفاصيل الحياة اليومية التي تُشكل وجدان الفنان، ولذلك لا يستطيع أن يخلق عملًا يحمل الروح الإنسانية نفسها، مؤكدًا أن التكنولوجيا قد تحاكي الإبداع لكنها لا تستطيع أن تحل محل جوهره.
كما حذر من الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الثقافي، لما قد يترتب عليه من تراجع الحس الإبداعي وانتشار السرقات الأدبية وإحباط المواهب الجديدة، مؤكدًا أن استخدام هذه الأدوات ينبغي أن يظل في حدود كونها وسائل مساعدة للبحث وتنظيم الأفكار، دون أن تتحول إلى بديل عن الموهبة أو التجربة الإنسانية.
بدوره، تناول الكاتب أحمد ياسر فتحي، الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية لعام 2025 وعضو لجنة السرد بالمجلس الأعلى للثقافة، قضية العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي من زاوية فلسفية، معتبرًا أن القلق الذي يحيط بدخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الفن يعود إلى تجارب تاريخية شهدت اختفاء بعض المهن والحرف الفنية بفعل التطور التكنولوجي.
وأكد أن الفن في جوهره ليس مجرد منتج، بل هو انعكاس للمشاعر الإنسانية، ومحاولة لفهم الذات والعالم، موضحًا أن الإنسان مارس الفن منذ عصور ما قبل التاريخ ليعبر عن أحلامه ومخاوفه وتطلعاته، وليس فقط لتوثيق حياته.
ورأى أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يمكنه إنتاج عمل فني من تلقاء نفسه، بل يحتاج دائمًا إلى إنسان يمتلك الفكرة والرؤية والدافع للتعبير، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا قد تصبح أداة تساعد المبدع، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية التي تمنح العمل الأدبي معناه الحقيقي.
وأضاف أن القيمة الحقيقية لأي عمل إبداعي لا تكمن في أسلوبه فقط، وإنما في الأفكار والمشاعر التي يحملها، مؤكدًا أنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث وجمع المعلومات وتخيل البيئات التي يكتب عنها، لكنه يظل مجرد وسيلة مساعدة لا أكثر.









