جهاز الأمن الأوكراني.. من وريث «كي جي بي» لأحد أكثر أجهزة الاستخبارات الأوروبية إثارة للجدل
منذ اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، برز جهاز الأمن الأوكراني (SBU) كأحد أبرز اللاعبين في إدارة المعركة الأمنية والاستخباراتية، بعدما توسعت صلاحياته بصورة غير مسبوقة، ليصبح في قلب واحدة من أكثر القضايا الأمنية والسياسية إثارةً للجدل في أوروبا.
فعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، تحول الجهاز من مؤسسة أُنشئت لحماية الدولة الأوكرانية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، إلى جهاز أمني واستخباراتي يقود عمليات معقدة داخل أوكرانيا وخارجها، وارتبط اسمه بملفات الاغتيالات والعمليات الخاصة والتخريب، إلى جانب اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان ومراقبة الصحفيين، وهي ملفات لا تزال محل تحقيقات ومتابعة من الحكومات الأوروبية ووسائل الإعلام الدولية.
لنشأة.. وريث الاستخبارات السوفيتية
تأسس جهاز الأمن الأوكراني (SBU) عام 1991، عقب إعلان استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي، ليحل محل الفرع الأوكراني لجهاز الاستخبارات السوفيتي السابق "كي جي بي". وأُنيطت به مسؤولية حماية الأمن القومي، ومكافحة التجسس والإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية أسرار الدولة، إلى جانب تنفيذ العمليات الأمنية الخاصة المرتبطة بأمن البلاد.
وظل الجهاز لسنوات يؤدي دورًا تقليديًا مقارنة بأجهزة الاستخبارات الأوروبية، إلا أن الحرب التي اندلعت في إقليم دونباس عام 2014، ثم الحرب الروسية الأوكرانية واسعة النطاق في عام 2022، أعادتا تشكيل هيكله وصلاحياته، ليصبح أحد أهم أذرع الدولة في إدارة الحرب الأمنية والاستخباراتية.
الحرب تعيد رسم دور الجهاز
مع تصاعد العمليات العسكرية، توسعت صلاحيات جهاز الأمن الأوكراني بصورة غير مسبوقة، فأصبح مسؤولًا عن مكافحة شبكات التجسس الروسية داخل البلاد، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وحماية المؤسسات الحكومية، والمشاركة في تنفيذ عمليات خاصة بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات العسكرية والقوات المسلحة.
وتؤكد الحكومة الأوكرانية أن الجهاز نجح في إحباط عشرات محاولات التجسس والتخريب، وكشف خلايا تعمل لصالح الاستخبارات الروسية، معتبرة أن نشاطه يأتي في إطار الدفاع عن الأمن القومي في ظل ظروف الحرب.
اتهامات بعمليات خارج الحدود
في المقابل، ارتبط اسم جهاز الأمن الأوكراني بعدد من العمليات التي وقعت داخل الأراضي الروسية، إذ اتهمت موسكو الجهاز بالوقوف وراء اغتيال شخصيات موالية للكرملين، واستهداف منشآت عسكرية ولوجستية، وتنفيذ عمليات تخريب داخل العمق الروسي.
وفي مارس 2024، طالبت السلطات الروسية بتسليم رئيس الجهاز وعدد من مسؤوليه، متهمةً إياهم بالضلوع في ما وصفته بـ"أعمال إرهابية"، إلا أن كييف رفضت تلك الاتهامات واعتبرتها جزءًا من الحرب السياسية والإعلامية بين البلدين.
ورغم تداول تقارير إعلامية عن مسؤولية الجهاز عن عدد من العمليات النوعية، فإن السلطات الأوكرانية لم تتبنَّ رسميًا معظم تلك العمليات، واكتفت في كثير من الأحيان بعدم التعليق عليها.
"نورد ستريم".. القضية الأكثر حساسية
يُعد تفجير خطي الغاز "نورد ستريم" في بحر البلطيق أحد أكثر الملفات التي وضعت جهاز الأمن الأوكراني تحت مجهر التحقيقات الأوروبية.
وأشارت تطورات التحقيقات، التي تابعتها وكالات أنباء أوروبية، إلى أن الادعاء العام الألماني وجّه اتهامات إلى عدد من المشتبه بهم، كما تناولت تقارير إعلامية أوروبية فرضيات بشأن احتمال وجود صلات بعناصر أوكرانية. ومع ذلك، لم تصدر حتى الآن أحكام قضائية نهائية تثبت مسؤولية جهاز الأمن الأوكراني أو الحكومة الأوكرانية عن التفجير، فيما نفت كييف مرارًا أي تورط رسمي لها في القضية.
ولا يزال هذا الملف من أكثر القضايا الأمنية تعقيدًا داخل أوروبا، بالنظر إلى تداعياته السياسية والاقتصادية على دول الاتحاد الأوروبي.
انتقادات حقوقية
بعيدًا عن العمليات العسكرية، واجه جهاز الأمن الأوكراني انتقادات من منظمات حقوقية بسبب مزاعم تتعلق بإدارة مراكز احتجاز سرية خلال سنوات النزاع في شرق أوكرانيا، إضافة إلى اتهامات باحتجاز أشخاص خارج الأطر القانونية وسوء المعاملة أثناء التحقيقات.
كما أثارت قضية مراقبة صحفيين يعملون في وسائل إعلام استقصائية داخل أوكرانيا انتقادات أوروبية، بعدما اعتبرت منظمات إعلامية أن تلك الممارسات تمثل تهديدًا لحرية الصحافة، بينما أكد الجهاز أن الأشخاص الذين خضعوا للمراقبة كانوا محل تحقيقات جنائية.
خلافات مع مؤسسات مكافحة الفساد
ولم يقتصر الجدل على الملفات الأمنية، إذ دخل الجهاز في خلافات مع هيئات مكافحة الفساد داخل أوكرانيا، بعدما نفذ حملات تفتيش وتحقيقات بحق مسؤولين في تلك المؤسسات، وهو ما أثار مخاوف لدى الاتحاد الأوروبي بشأن استقلال الأجهزة الرقابية، خاصة مع ارتباط ملف مكافحة الفساد بمفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ودعت مؤسسات أوروبية إلى الحفاظ على استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، مع استمرار دعمها لكييف في مواجهة الحرب.
بين الرواية الأوكرانية والاتهامات الدولية
ترى الحكومة الأوكرانية أن جهاز الأمن يمثل خط الدفاع الأول عن البلاد، وأن توسع صلاحياته فرضته ظروف الحرب، بينما تتهمه روسيا بالوقوف وراء عمليات استهدفت الأمن الروسي خارج الحدود.
وفي المقابل، تؤكد التحقيقات الأوروبية أن عددًا من القضايا المرتبطة بالجهاز لا يزال مفتوحًا، وأن كثيرًا من الاتهامات لم تُحسم قضائيًا بعد، وهو ما يجعل الفصل بين الروايات المتعارضة مرهونًا بنتائج التحقيقات الرسمية.
وبين الرواية الأوكرانية والاتهامات الروسية، وبين التحقيقات الأوروبية والجدل الحقوقي، يظل جهاز الأمن الأوكراني أحد أكثر أجهزة الاستخبارات حضورًا وتأثيرًا في المشهد الأمني الأوروبي، في وقت تواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية إعادة رسم خريطة الأمن والاستخبارات في القارة، لتجعل من جهاز SBU محورًا دائمًا للنقاش السياسي والأمني، سواء باعتباره خط الدفاع الأول عن كييف، أو أحد أكثر الأجهزة الأمنية إثارةً للجدل في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.