بعد 55 عامًا.. "مدرسة المشاغبين" المسرحية التي غيرت تاريخ الكوميديا
تحل الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاق مسرحية "مدرسة المشاغبين"، التي تُعد واحدة من أبرز وأشهر الأعمال المسرحية في تاريخ الفن المصري والعربي، بعدما قدمت للمرة الأولى عام 1971 من إنتاج فرقة "الفنانين المتحدين"، لتتحول سريعًا إلى ظاهرة فنية وجماهيرية، وتصبح علامة فارقة في تاريخ المسرح، كما لعبت دورًا كبيرًا في صناعة جيل كامل من نجوم الكوميديا.
وضمت المسرحية نخبة من أبرز الفنانين، من بينهم عادل إمام، وسعيد صالح، ويونس شلبي، وأحمد زكي، وحسن مصطفى، وسهير البابلي، وهادي الجيار، وهي من تأليف الكاتب علي سالم، وجاءت فكرتها مقتبسة من الفيلم العالمي "إلى المعلم مع الحب".

وكشف المنتج الراحل سمير خفاجي، في مذكراته "أوراق من عمري"، كواليس تأسيس المسرحية، موضحًا أنه بعد توقيع عقد الشراكة بين مؤسسي فرقة "الفنانين المتحدين"، بدأت مرحلة اختيار أبطال العرض والتعاقد معهم، لتنطلق بعدها رحلة واحدة من أنجح المسرحيات في تاريخ المسرح العربي.
أجور بسيطة صنعت نجومًا كبارًا
ورغم المكانة الكبيرة التي وصل إليها أبطال المسرحية لاحقًا، فإن أجورهم في بداية العمل كانت متواضعة للغاية. فقد حصل الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي على أعلى أجر بين فريق العمل، حيث تقاضى 650 جنيهًا، بينما حصل سعيد صالح على 80 جنيهًا شهريًا، وتقاضى عادل إمام 70 جنيهًا شهريًا، في حين حصل يونس شلبي، الذي كان لا يزال طالبًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، على 20 جنيهًا فقط شهريًا باعتباره وجهًا جديدًا.

نجلاء فتحي كانت المرشحة الأولى
ومن أبرز الكواليس التي رواها سمير خفاجي، أن الفنانة نجلاء فتحي كانت المرشحة الأولى لتقديم دور المدرسة، ووقعت بالفعل عقد المشاركة في المسرحية، لكنها فوجئت بأن العرض سيُقدم يوميًا مع الحصول على إجازة أسبوعية واحدة فقط.
وأثار هذا النظام مخاوفها، خاصة أنها لم تكن قد خاضت تجربة الوقوف على خشبة المسرح من قبل، لتعتذر عن استكمال المشاركة. وبعدها حاول المنتج التعاقد مع الفنانة سميرة أحمد، إلا أن الاتفاق لم يكتمل، قبل أن يستقر الاختيار في النهاية على الفنانة سهير البابلي، التي قدمت واحدًا من أشهر أدوارها المسرحية، وأصبح الدور علامة بارزة في مسيرتها الفنية.
انسحاب عبد المنعم مدبولي
ورغم النجاح الكبير الذي حققته المسرحية، فإنها لم تخلُ من الأزمات، إذ شهدت انسحاب الفنان عبد المنعم مدبولي من العرض بعد فترة من تقديمه، وكان يجسد في البداية شخصية ناظر المدرسة، قبل أن يتولى الفنان حسن مصطفى تقديم الدور.
وجاء قرار مدبولي بسبب اعتراضه المتكرر على خروج عادل إمام وسعيد صالح عن النص المسرحي، حيث كان الثنائي يعتمد على الارتجال وإضافة العديد من الإفيهات والمواقف الكوميدية التي كانت تمتد لفترات طويلة، وهو ما كان يجبره على الانتظار خلف الكواليس حتى انتهاء المشهد. ورغم مطالباته المتكررة بالالتزام بالنص، استمرت الارتجالات، ليقرر في النهاية الاعتذار عن استكمال العرض.
خمسة طلاب غيروا تاريخ المسرح
وتدور أحداث المسرحية حول خمسة طلاب مشاغبين يفشل مدير المدرسة في السيطرة عليهم بسبب سلوكهم المثير للفوضى، فيلجأ إلى تعيين مدرسة جديدة على أمل أن تتمكن من تهذيبهم وإعادة الانضباط إلى الفصل.
وفي بداية الأمر، تواجه المدرسة الجديدة موجة من السخرية والمقالب التي يدبرها الطلاب، لكنها تتمسك برسالتها التربوية، وتنجح تدريجيًا في كسب احترامهم وتغيير سلوكهم، في إطار كوميدي مليء بالمواقف الساخرة التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور العربي.
وتميزت المسرحية بعدد كبير من الإفيهات والجمل الكوميدية التي لا تزال تتردد حتى اليوم، وهو ما ساهم في استمرار نجاحها عبر الأجيال وتحولها إلى واحدة من أكثر المسرحيات مشاهدة وانتشارًا في الوطن العربي.
المسرحية التي صنعت جيلاً من النجوم
ولم يكن نجاح "مدرسة المشاغبين" مقتصرًا على تحقيق جماهيرية واسعة، بل كانت نقطة الانطلاق الحقيقية لعدد كبير من نجومها الشباب، وعلى رأسهم عادل إمام، وسعيد صالح، وأحمد زكي، ويونس شلبي، وهادي الجيار، الذين تحولوا بعد ذلك إلى رموز بارزة في المسرح والسينما المصرية، لتظل المسرحية واحدة من أهم المحطات الفنية التي غيرت تاريخ الكوميديا والمسرح في العالم العربي.