عرض «البؤساء» لفرقة «ابدأ حلمك» يضيء مسرح السامر في مهرجان فرق الأقاليم
استضاف مسرح السامر بالعجوزة العرض المسرحي "البؤساء" لفرقة "ابدأ حلمك" بمحافظة كفر الشيخ، وذلك ضمن فعاليات الدورة الثامنة والأربعين من المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، الذي يقام تحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة.
وشهد العرض حضور لجنة التحكيم التي تضم الدكتور طارق مهران، والدكتور وحيد السعدني، والمخرج أحمد البنهاوي، والناقد جرجس شكري، والفنان محمد يونس، إلى جانب عدد كبير من النقاد والمسرحيين والمهتمين بالحركة المسرحية.
العرض مستوحى من رواية "البؤساء" للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، وقدم برؤية دراماتورجية وإخراجية للفنان إبراهيم الفقي، الذي أعاد صياغة النص بالكامل في معالجة فلسفية ورمزية مختلفة عن المعالجات التقليدية للرواية.
وتدور أحداث العرض حول سجين يحاول الهروب أكثر من مرة أملاً في استعادة حريته، بينما تستمر السلطة في ملاحقته والتضييق عليه، إلى أن تندلع الثورة دفاعًا عن الحرية والعدالة، لتمنحه فرصة جديدة يكشف خلالها عن معدنه الحقيقي وقدرته على قيادة الثوار نحو التحرر.
وأكد المخرج إبراهيم الفقي أن رؤيته الإخراجية اعتمدت على تقديم العمل من منظور فلسفي جديد، بعيدًا عن فكرة الصراع التقليدي بين "جان فالجان" و"جافير"، موضحًا أنه استلهم العديد من المفردات التي استخدمها فيكتور هوجو في روايته، خاصة تلك المرتبطة بعالم الحيوان، ليقدم الشخصيات في صورة تجمع بين الإنسان والحيوان داخل عالم رمزي يعبر عن الغرائز الإنسانية.




وأضاف أن العرض اعتمد على دمج التشريح الحيواني والبشري في الأداء التمثيلي، إلى جانب تصميمات الأزياء والديكور، بما يخلق عالماً بصرياً يعكس حالة الشخصيات التي تعيش بين الطبيعة الإنسانية والغريزية.
وأشار إلى أن تصميم الأزياء جاء من خلال المزج بين خامات تحاكي جلود الحيوانات وملابس بشرية بسيطة وممزقة، بما يعبر عن الشخصيات التي لم تعد تنتمي بشكل كامل إلى عالم الإنسان أو الحيوان.
كما أوضح أن الديكور صُمم ليحاكي مستنقعًا يجمع بين عناصر الطبيعة مثل الأخشاب، والعناصر الصناعية كالحديد، مع الاعتماد على إعادة تدوير خامات متعددة، منها الزجاجات والأخشاب، لتوظيفها داخل المشهد المسرحي بصورة تخدم الرؤية الإخراجية.
ولفت الفقي إلى أنه أعاد كتابة النص بالكامل في شكل أشعار وأغانٍ، ليخرج العمل في صورة مغايرة تمامًا للرواية الأصلية، مؤكدًا أن الأشعار جاءت بلغة تعبر عن الغريزة والاندفاع الفطري للشخصيات، بما يتماشى مع رؤيته الفنية.
وأوضح أن الدراما الحركية شكلت عنصرًا أساسيًا في بناء العرض، مشيرًا إلى انتمائه إلى المدرسة الرمزية الفلسفية التي تعتمد على توصيل الأفكار الإنسانية من خلال الرموز والدلالات البصرية.
وأكد أن الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في طرح سؤال فلسفي مهم: "هل يولد الإنسان إنسانًا، أم يكتسب إنسانيته عندما يلتقي بالرحمة؟"، مشددًا على أن الرحمة هي الركيزة الحقيقية التي تقوم عليها الإنسانية.
ومن جانبه، أوضح الفنان عبد اللطيف وجدي أنه يجسد شخصية "مانوف"، المقابل الدرامي لشخصية "جان فالجان"، حيث يخرج من السجن بعد 19 عامًا ليصطدم برفض المجتمع له بسبب ماضيه، إلى أن يلتقي بالقس الذي يمنحه فرصة جديدة ويغرس داخله قيم الرحمة، فيبدأ حياة مختلفة تنتهي بتوليه منصب عمدة المدينة.
وأضاف أن الماضي يعود ليطارده من خلال شخصية "جافير"، وتتطور الأحداث حتى يواجهه بسؤال يحمل جوهر العرض: "ألا يوجد في قلبك بعض من الرحمة؟"، وهو السؤال الذي يمثل نقطة التحول الأساسية في العمل.
وقال الفنان مالك عبد المنصف إنه يقدم شخصية "بروكوس"، التي ترمز إلى الرأسمالية والجشع، موضحًا أن المخرج أعاد تقديم الشخصيات من خلال إسقاطات فلسفية تربط كل شخصية بحيوان يعكس غرائزها وسلوكها.
أشار إلى أن شخصية "بروكوس" ارتبطت بالخنزير باعتباره رمزًا للطمع والسعي وراء المصالح الشخصية حتى لو كان الثمن خيانة الآخرين.
فيما أوضح الفنان عبد الرحمن العراقي أنه يجسد شخصية "جارفون"، وهي المعادل الدرامي لشخصية "جافير"، لافتًا إلى أنها تؤمن بأن القانون يجب أن يطبق بحزم دون الالتفات إلى الظروف الإنسانية أو المشاعر، لأنها ترى أن استقرار المجتمع لا يتحقق إلا من خلال الالتزام الصارم بالقانون.
وأضاف أن الشخصية تعيش في حالة من العمى تجاه الرحمة، ولا ترى سوى تنفيذ القانون، لذلك ارتبطت في رؤية المخرج برمز الصقر الذي يعبر عن القوة والحسم والمطاردة.
أما الفنانة هند شعبان، فكشفت أنها تجسد شخصية "آرورا"، المقابلة لشخصية "فانتين"، وهي امرأة تتخلى عنها الحياة بعدما يهجرها زوجها، لتبدأ رحلة مليئة بالمعاناة، تنتقل خلالها إلى مدينة جديدة وتعمل في أحد المصانع، قبل أن تضطر إلى ممارسة البغاء بسبب قسوة الظروف.
ومن جانبها، أوضحت مصممة المكياج مديحة يونس أن تصميمات المكياج جاءت منسجمة مع الرؤية الإخراجية التي تمزج بين الإنسان والحيوان، حيث تم تصميم مكياج خاص لكل شخصية بما يعكس الحيوان الذي يرمز إلى طبيعتها.
وأضافت أن التصميمات استوحت تفاصيلها من عدد من الحيوانات، من بينها النسر والغراب والصقر وأنواع مختلفة من الكلاب، مع استخدام ألوان وتقنيات متنوعة لإبراز السمات النفسية والدرامية لكل شخصية.
الندوة النقدية
وعقب انتهاء العرض أقيمت ندوة نقدية شارك فيها الدكتور فادي نشأت، والدكتور محمد زعيمة، لمناقشة الجوانب الفنية والفكرية للعمل.
وأكد الدكتور فادي نشأت أن المسرح يمنح كل متلقٍ فرصة لقراءة العمل وفقًا لثقافته وخبراته، وهو ما يجعل العروض المتميزة قابلة لتعدد التأويلات، معتبرًا أن هذه الخاصية كانت من أبرز نقاط قوة العرض.
وأشار إلى أن نهاية العمل تؤكد أن الأنظمة الفاشلة تعيد إنتاج نفسها ما لم تتغير البنية الفكرية والاجتماعية، موضحًا أن العرض لا يقدم حكاية تاريخية فقط، وإنما يناقش قضية إنسانية واجتماعية ممتدة حتى الواقع المعاصر.
كما تطرق إلى لغة العرض، مشيرًا إلى أن استخدام اللغة العربية الفصحى يتطلب تركيزًا أكبر من الجمهور مقارنة بالعامية، التي تعد أكثر سهولة في التواصل، متسائلًا عن سبب تغيير أسماء الشخصيات مع الاحتفاظ بالبنية الدرامية للنص الأصلي.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد زعيمة أن العرض ينتمي إلى مفهوم "المسرح المسؤول"، الذي لا يكتفي بتقديم النص كما هو، وإنما يعيد إنتاجه وصياغته وفق رؤية جديدة تستفيد من التجارب والثقافات المختلفة.
وأضاف أن الفنان الحقيقي يعيد توظيف ما يراه ويختزنه من خبرات في لحظة الإبداع، وهو ما تجسد بوضوح في رؤية المخرج إبراهيم الفقي، خاصة في توظيف عالم الحيوانات وتحويل المجتمع إلى غابة رمزية تعكس الواقع الإنساني.
وأشار إلى أن الديكور اعتمد على مجموعة من الألوان الترابية والباردة، مثل الأزرق والفضي والبيج، بما يعكس المجتمع الصناعي وتحولاته، ويجسد الصراع الطبقي وهيمنة السلطة.
وأوضح أن الحيوانات الأليفة والمفترسة جاءت كرموز للصراع داخل مجتمع فاسد، بينما مثل الشباب الضحايا بارقة أمل جديدة أوجدتها الثورة الفرنسية، رغم أن العرض لم يتناول الثورة بصورة مباشرة، وإنما مر عليها بصورة درامية تخدم الفكرة الرئيسية.
ويشارك في بطولة العرض نخبة كبيرة من الفنانين، منهم: عبد اللطيف وجدي، وعبد الرحمن العراقي، ومالك عبد المنصف، ومحمد وائل، وأحمد كمال، وأحمد جمعة، وعمرو عادل، ومحمد أسامة، وصبري محمد، وزياد عادل، ومحمود متولي، ونور الدين القصاص، وإبراهيم رزق، وفارس محمود، وعبد الله دامش، وهند شعبان، وروفان ماجد، وفاطمة محمد، وأميمة الفقي، ومريم جمعة، وحبيبة عادل، ويمنى رضا، ساندي الصفناوي.
كما يشارك ضمن فريق "الجواكر" كل من: أحمد صبحي، وأحمد الصعيدي، وعبد الرحمن النبراوي، ومحمد مجدي، ومحمود سعد، ومهند إبراهيم، وأنس المهدي، وأحمد نصار، وطه حمدي، ومهاب أحمد، ومحمود بركات، ومحمد وائل، وجودي البشبشي، وعهد طاهر، وريم أسامة، وهيا أحمد.
ويتولى العزف الموسيقي كل من: مهند الجداري على آلة الدرامز، ومارك أسامة على الكمان، ومحمد حسين على البيانو، وسمر خليفة على الجيتار، وعلي سالم على الأورج، بينما يشارك بالغناء سليم رامي شهاب، وأميرة حسام، وحاتم جمعة، وعبد الله أحمد، وأمل نصر، وأحمد المصري، وأحمد إبراهيم، وشيماء محمد.
العرض من أشعار وإخراج ودراما حركية وديكور وملابس إبراهيم الفقي، وألحان وموسيقى تصويرية محمد حسين، وتنفيذ موسيقي أحمد سليم، ومراجعة لغوية أحمد خالد فراج، وتنفيذ الديكور مراد رامي، وأحمد جمعة، وأحمد كمال، ونور القصاص، وتنفيذ الملابس خالد علي، ومحمد أسامة، ومكياج مديحة يونس وهابدي صبري، وتصميم الإضاءة محمد عادل، وتنفيذ الإضاءة إبراهيم حسين، وإشراف تنفيذ الديكور جون طارق، ويساعد في الإخراج مالك عبد المنصف ومحمد وائل، بينما يتولى الإخراج التنفيذي محمد عادل.
ويقام المهرجان بإشراف الإدارة المركزية للشؤون الفنية والإدارة العامة للمسرح، وتستمر عروضه المجانية على مسرحي السامر بالعجوزة وقصر ثقافة روض الفرج حتى السادس من يوليو المقبل، بمشاركة فرق مسرحية تمثل مختلف محافظات الجمهورية.
كما تتواصل الندوات النقدية عقب كل عرض بمشاركة نخبة من النقاد والمتخصصين، إلى جانب إصدار نشرة يومية توثق فعاليات المهرجان.
وتستمر الفعاليات اليوم الثلاثاء، حيث يستضيف مسرح قصر ثقافة روض الفرج في السادسة مساءً العرض المسرحي "الغجري" لفرقة قومية القاهرة، تأليف بهيج إسماعيل، وإخراج ياسين الضوي، بينما يقدم مسرح السامر في الثامنة مساءً العرض المسرحي "من هوامش الجبرتي" لفرقة قومية كفر الشيخ، من تأليف محمد العرجاني، وإخراج عمرو الرفاعي.





