العلمين تجمع القوى الإقليمية الأربع.. هل تتشكل ملامح نظام جديد للشرق الأوسط؟
في توقيت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة، تستضيف مدينة العلمين، الأحد المقبل، اجتماعا رباعيا يضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وسط ترقب إقليمي ودولي لمخرجاته.
ويأتي الاجتماع بعد احتواء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وفي ظل استمرار الحرب في غزة وتداعياتها المتصاعدة على الأمن والاستقرار الإقليمي، ما يضفي على اللقاء أهمية خاصة باعتباره منصة للتشاور بين عدد من القوى الإقليمية الفاعلة حول مستقبل المنطقة وآليات بناء منظومة أكثر استقرارا للأمن والتعاون.
وفي هذا السياق، أوضح السفير الدكتور محمد حجازي، سفير مصر السابق لدى ألمانيا ومساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الدعوة لعقد الاجتماع الرباعي بين وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان تمثل تطورا مهما في مسار التشاور الإقليمي خلال مرحلة تشهد تحولات استراتيجية عميقة في الشرق الأوسط، خاصة بعد وقف إطلاق النار واحتواء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استمرار الحرب في غزة وما تفرضه من تحديات على الأمن والاستقرار الإقليمي.
وأضاف مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الإطار التشاوري الرباعي للدول الفاعلة في المنطقة أثبت حضوره كآلية مؤثرة إقليميا ودوليا، وقادرة على الإسهام في معالجة القضايا والأزمات من خلال التنسيق بين دول الإقليم والقوى الكبرى، بما يدعم جهود التهدئة ويعزز الحلول النابعة من داخل المنطقة ذاتها، بعد عقود عانت خلالها شعوب الشرق الأوسط من التدخلات الخارجية وحالة الشكوك وانعدام الثقة التي ساهمت في تعميق الانقسامات واستدعاء المزيد من التدخلات الأجنبية.
من التنسيق السياسي إلى بناء نظام إقليمي جديد
ولفت إلى أن أهمية الاجتماع لا تقتصر على التنسيق السياسي التقليدي، بل تمتد إلى فتح حوار جاد بين القوى الإقليمية الرئيسية بشأن شكل النظام الإقليمي الذي ينبغي أن يحكم العلاقات بين دول المنطقة خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من منطق إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء منظومة مستقرة للأمن والتعاون والتنمية.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة التوافق على رؤية إقليمية جديدة تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وضمان حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها البحر الأحمر والخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز.
إعلان مبادئ وإطار مؤسسي للتعاون.
وأكد أن أهمية العمل على توقيع إعلان مبادئ يحدد الضوابط الحاكمة للعلاقات بين دول الإقليم، مع التوجه نحو تأسيس إطار مؤسسي منظم للعلاقات الإقليمية، على غرار التجربة الأوروبية، بما يدفع دول المنطقة نحو مزيد من التعاون في مختلف المجالات، ويؤسس لشرق أوسط يحفظ حقوق شعوبه ويعزز أمنهم واستقرارهم بعيدا عن التدخلات والمخططات الخارجية التي أثرت سلبا على المنطقة لعقود طويلة.
تفاهمات مطلوبة مع إيران
وأشار إلى أن المرحلة الراهنة تفرض كذلك ضرورة بلورة تفاهمات متبادلة مع إيران بشأن أمن الخليج العربي، بما يحقق الطمأنينة لجميع الأطراف ويؤسس لعلاقات طبيعية قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، إلى جانب تعزيز آليات الحوار السياسي والأمني التي تحول دون عودة المنطقة إلى دوائر التصعيد والمواجهة، وتدعم أطر التعاون والتنمية المشتركة.
فلسطين في صدارة الأولويات
وشدد مساعد وزير الخارجية الأسبق على أن القضية الفلسطينية ستظل الاختبار الحقيقي لأي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في الشرق الأوسط، موضحا أن التطورات الأخيرة أثبتت استحالة تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في ظل استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي لتسوية عادلة وشاملة.
وأضاف أن أي رؤية جديدة للأمن الإقليمي يجب أن تنطلق من دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لمعالجة جذور التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
مؤتمر إقليمي للأمن والتعاون
ويرى حجازي أن يفتح الاجتماع الرباعي الباب أمام دراسة عقد مؤتمر إقليمي أو دولي للأمن والتعاون في الشرق الأوسط، على غرار التجارب الناجحة في أقاليم أخرى، بهدف صياغة إعلان مبادئ ينظم العلاقات الإقليمية، ووضع آليات مؤسسية للحوار وتسوية النزاعات وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والإنساني بين دول المنطقة.
واختتم حديثه، مؤكدًا على أن ما تشهده المنطقة حاليا من متغيرات كبرى يوفر فرصة نادرة للانتقال من مرحلة الصراعات المفتوحة إلى مرحلة بناء نظام إقليمي أكثر توازنا واستقرارا، مشيرا إلى أن نجاح القوى الإقليمية الرئيسية في التوصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن أمن الخليج، وتسوية القضية الفلسطينية، واحترام سيادة الدول، قد يشكل نقطة انطلاق نحو رؤية شاملة للأمن والتعاون الإقليمي، قادرة على حماية مصالح شعوب المنطقة وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستقرار خلال العقود المقبلة.





