هنا عاشت البرنسيسة.. حكاية عزبة عمرها 118 سنة سكنتها ابنة عم الملك فاروق بالفيوم
في قلب قرية كفر محفوظ التابعة لمركز طامية بمحافظة الفيوم تقف عزبة صغيرة تحمل تاريخا طويلا يمتد لأكثر من 118 عاما حيث يعرفها الأهالي حتى اليوم باسم عزبة البرنسيسة وهو الاسم الذي ارتبط بإحدى أميرات العائلة الملكية التي عاشت داخلها خلال السنوات الأولى من القرن العشرين لتتحول هذه البقعة الريفية الهادئة إلى واحدة من الأماكن التي ما زالت تحتفظ بحكايات الزمن الملكي داخل محافظة الفيوم.
ورغم مرور عشرات السنين على رحيل الأسرة الملكية وتغير ملامح المكان فإن اسم البرنسيسة ما زال متداولا بين الأهالي كبارا وصغارا حيث يتناقل السكان قصصا قديمة عن القصر الكبير والأراضي الزراعية الواسعة والحياة التي كانت مختلفة تماما عن شكل الريف المصري في ذلك الوقت.
قصر ملكي وسط الأراضي الزراعية
شهدت العزبة في بداياتها إنشاء قصر كبير حمل طابعا معماريا مميزا حيث تم تشييده وفق تصميمات راقية استخدمت فيها مواد بناء اعتبرت نادرة في ذلك الزمن داخل القرى الريفية وقد تميز القصر بمساحاته الواسعة وحدائقه المحيطة به إلى جانب وجود مبان خدمية ومخازن ومناطق مخصصة للعمال والخدم الذين كانوا يعملون داخل الأراضي الزراعية التابعة للعزبة.
ولم يكن القصر مجرد مكان للسكن فقط بل كان يمثل نموذجا للحياة الأرستقراطية التي عاشت فيها بعض الأسر المرتبطة بالعائلة الملكية حيث كانت العزبة تضم كل مقومات الحياة الحديثة مقارنة بما كان سائدا في الريف المصري خلال تلك الفترة.
ويؤكد الأهالي أن العزبة كانت من أوائل المناطق الريفية التي عرفت دخول الكهرباء والمياه النظيفة وهو ما منحها مكانة مختلفة عن القرى المجاورة خاصة في ظل غياب كثير من الخدمات الأساسية عن معظم المناطق الريفية في ذلك الوقت.
عزبة البرنسيسة ومشروع الزراعة الكبير
لم تقتصر أهمية العزبة على الجانب السكني فقط بل لعبت دورا مهما في النشاط الزراعي داخل محافظة الفيوم حيث جرى استصلاح مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بها وزراعتها بعدد من المحاصيل الاستراتيجية المهمة وعلى رأسها الأرز والقطن اللذان كانا يمثلان قيمة اقتصادية كبيرة خلال تلك السنوات.
واعتمدت العزبة على نظام زراعي متطور نسبيا مقارنة بالإمكانات المتاحة وقتها حيث وفرت فرص عمل لعشرات العمال والفلاحين الذين كانوا يقيم بعضهم داخل المنطقة نفسها من أجل متابعة الأعمال الزراعية اليومية ورعاية الأراضي والمحاصيل المختلفة
ومع توسع النشاط الزراعي أصبحت العزبة بمثابة مجتمع صغير متكامل يضم مساكن للعمال ومخازن للمحاصيل إلى جانب القصر الرئيسي الذي ظل لسنوات طويلة أحد أبرز معالم المكان.
الأهالي يروون حكايات الماضي
ما زالت الروايات القديمة حاضرة بين سكان عزبة البرنسيسة حيث يتحدث كبار السن عن تفاصيل الحياة داخل العزبة وعن حالة التنظيم التي كانت تميز المكان في سنواته الأولى ويؤكد البعض أن المنطقة كانت تشهد حركة دائمة بسبب أعمال الزراعة والنقل إلى جانب الزيارات التي كانت تتم للقصر من شخصيات مرتبطة بالعائلة المالكة
ويقول ياسر أبو زيد أحد سكان القرية إن اسم البرنسيسة لم يكن مجرد لقب متداول بل أصبح جزءا من هوية المكان حتى بعد رحيل الأسرة الملكية بسنوات طويلة إذ ارتبط الاسم بتاريخ ظل محفورا في ذاكرة سكان المنطقة الذين توارثوا الحكايات جيلا بعد جيل.
كما يوضح محمد أبو جبل أحد سكان القرية أن بعض أجزاء القصر القديم ما زالت قائمة حتى الآن رغم تعرض أجزاء أخرى للتهدم نتيجة مرور الزمن والتغيرات العمرانية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
ثورة يوليو تغير ملامح العزبة
شهدت عزبة البرنسيسة تحولا كبيرا بعد قيام ثورة يوليو عام 1952 حيث خضعت ضمن الممتلكات التي آلت إلى الدولة وفقا لقرارات الإصلاح الزراعي التي أعادت توزيع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على الفلاحين
ومع تغير الأوضاع السياسية والاجتماعية بدأت العزبة تفقد تدريجيا شكلها القديم وتحولت مع مرور السنوات إلى تجمع سكني يعيش فيه مئات المواطنين بعدما جرى تقسيم الأراضي وإقامة منازل جديدة داخل المنطقة
كما اختفت أجزاء كبيرة من القصر التاريخي الذي كان يمثل أبرز معالم العزبة ولم يتبق منه سوى بعض الأجزاء التي ما زالت شاهدة على طبيعة الحياة التي كانت موجودة في المكان خلال الحقبة الملكية.
ورغم اختفاء كثير من التفاصيل القديمة فإن الأهالي يؤكدون أن روح المكان ما زالت تحمل آثار تلك الفترة خاصة مع استمرار تداول القصص المرتبطة بالعائلة الملكية والعزبة التي حملت اسم البرنسيسة لأكثر من قرن كامل.
إرث تاريخي في قلب الفيوم
تمثل عزبة البرنسيسة واحدة من المناطق التي تجمع بين التاريخ والتحولات الاجتماعية داخل محافظة الفيوم فهي ليست مجرد منطقة سكنية عادية بل مكان ارتبط بفترة مهمة من تاريخ مصر الحديث وشهد انتقالات كبيرة من الحياة الملكية إلى مرحلة الإصلاح الزراعي ثم التوسع العمراني الذي غير شكل الريف المصري مع مرور السنوات
ويؤكد عدد من الأهالي أن العزبة ما زالت تحتفظ بقيمتها التاريخية رغم تغير ملامحها حيث يرون أن الحفاظ على ما تبقى من آثار القصر القديم يمثل جزءا من ذاكرة المكان وتاريخ المحافظة
وبين الحقول والمنازل القديمة تبقى عزبة البرنسيسة شاهدة على حكاية امتدت لأكثر من 118 عاما بدأت بإقامة أميرة من العائلة الملكية داخل قصر فاخر وسط الأراضي الزراعية وانتهت بتحول المكان إلى مجتمع سكني يعيش فيه مئات المواطنين بينما بقي الاسم القديم حاضرا في ذاكرة الجميع باعتباره واحدا من أشهر الأسماء التاريخية داخل مركز طامية بمحافظة الفيوم.







