السبت 16 مايو 2026 الموافق 29 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
صحة وطب

رئيس لجان الفتوى بالمنوفية لـ "مصر تايمز" التداوي واجب شرعي فى بعض الحالات.. وترك العلاج ليس انتـ ـحارا لكنه إثم شرعي

السبت 16/مايو/2026 - 11:46 ص
مفتي محافظة المنوفية
مفتي محافظة المنوفية خلال حواره مع مصر تايمز

أثار اتجاه بعض المرضى خلال الفترة الأخيرة للاعتماد على أنظمة غذائية وترك العلاج الطبي حالة كبيرة من الجدل، خاصة بعد تداول نصائح تدعو للاكتفاء بالأعشاب أو تنظيم الغذاء كبديل كامل عن الأدوية والعلاج الحديث، رغم التحذيرات الطبية من خطورة ذلك على حياة المرضى، خصوصا أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة.

وللحديث عن الرأي الشرعي في هذه القضية، وحكم ترك العلاج عمدا، وحدود التداوي بالأعشاب، والفارق بين التوكل على الله وترك الأخذ بالأسباب، أجرى موقع  «مصر تايمز» هذا الحوار مع الشيخ الدكتور هشام إبراهيم عمار مدير عام منطقة الوعظ ورئيس لجنة الفتوى بمحافظة المنوفية 

 بداية.. ما مكانة حفظ النفس في الشريعة الإسلامية؟

لدينا في الشريعة الإسلامية ما يعرف بالكليات الخمس الكبرى، وهي الضروريات التي أمر الشرع بحفظها، وأولها حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ النسل، ثم حفظ المال، وهذه المسائل مشهورة في كتب الفقه وتدخل تحت إطار الضروريات التي لا تستقيم حياة الناس بدونها.

وحفظ النفس من أعظم الضروريات التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بالحفاظ عليها، ولذلك أجمع الفقهاء على أن الإنسان مأمور بحفظ نفسه من الهلاك، وممنوع شرعا من الاعتداء على نفسه أو غيره.

ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى القصاص ردعا عن الاعتداء على النفس، فقال تعالى

"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون".

فإذا علم القاتل أنه إذا قتل سيقتل سيمتنع عن القتل، ومن هنا كانت الحكمة من القصاص حفظ النفوس وحماية المجتمع.

كما أن الاعتداء على نفس الغير من أكبر الكبائر، وكذلك الاعتداء على النفس بإهلاكها أو إتلاف عضو منها أمر محرم شرعا، فالإنسان ليس حرا في أن يضر نفسه أو يهلكها.

 هل يعتبر الحفاظ على الصحة والعلاج من الواجبات الشرعية؟

نعم، لأن الإنسان مأمور شرعا بحفظ نفسه، فيلزمه أن يتغذى حتى لا يؤدي بنفسه إلى الهلاك، وإذا أمره الطبيب الثقة بأخذ العلاج حفاظا على حياته أو منعا لتدهور حالته، أصبح العلاج واجبا عليه شرعا.

فإذا كان ترك العلاج يؤدي إلى هلاك النفس أو إلى ضرر شديد أو انتقال العدوى للآخرين، فلا يجوز شرعا تركه.

لكن هنا يجب التوضيح أن من يترك العلاج في هذه الحالة لا يحكم عليه بأنه منتحر، وإنما نقول إنه ترك واجبا شرعيا وأثم بذلك.

فالفقهاء اختلفوا أصلا في حكم التداوي بين الاستحباب والإباحة، لكنهم أوجبوه في بعض المواقف، مثل أن يجمع الأطباء الثقه على أن هذا الدواء نافع يقينا أو بالتجربة الغالبة، وأن الامتناع عنه يؤدي إلى الهلاك أو إلى نقل العدوى للآخرين، فهنا يصبح العلاج واجبا وتركه إثما شرعيا.

 هل يجوز للإنسان أن يتعمد ترك سبب النجاة مع علمه بالخطر؟

إذا كان ترك العلاج يؤدي غالبا إلى الهلاك أو تلف عضو من أعضاء الإنسان أو إلى أذى شديد، فلا يجوز له شرعا أن يتركه.

وعندنا قاعدة فقهية مهمة تقول "العبرة بالكثير الغالب لا بالقليل النادر، والشاذ لا يقاس عليه".

بمعنى أنه إذا كانت غالبية المرضى الذين يتركون العلاج يتعرضون للهلاك أو المضاعفات الخطيرة، فإن العلاج يصبح واجبا شرعيا، وتركه يكون معصية.

أما إذا كان المرض بسيطا، وغير معد، ولا يؤدي ترك العلاج فيه إلى هلاك النفس أو تلف عضو أو الإضرار بالآخرين، فالتداوي هنا يبقى مستحبا، ويجوز للشخص أن يترك العلاج بشكل شخصي، لكن لا يجوز تعميم ذلك أو الفتوى به للناس.

ما حكم الشرع في مريض يترك العلاج عمدا رغم تحذير الأطباء؟ وهل يعد ذلك انتحارا؟

إذا كان الأطباء الثقة قد أكدوا أن ترك العلاج سيؤدي غالبا إلى الهلاك أو تدهور الحالة بشكل خطير، ثم تعمد المريض ترك العلاج، فإنه يكون آثما شرعا؛ لأنه لم يحافظ على النفس البشرية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بحفظها.

لكن في الوقت نفسه، لا يعد هذا الفعل انتحارا، ولا يعامل معاملة المنتحر، كما أنه لا يصنف من الكبائر على صورة الانتحار المباشر، وإنما يعد تركا لواجب شرعي يتعلق بحفظ النفس، وبالتالي يكون الإنسان عاصيا وآثما بسبب تفريطه في حق نفسه.

فالشرع أمر الإنسان بالأخذ بالأسباب والحفاظ على النفس، وإذا ثبت يقينا أو بغلبة الظن من خلال رأي الأطباء المتخصصين أن العلاج سبب للنجاة أو لمنع الضرر والهلاك، أصبح الالتزام به واجبا شرعيا.

 وهل يختلف الحكم إذا كان المرض خطيرا مثل السرطان أو السكري؟

بالتأكيد يختلف الحكم.

فالأمراض الخطيرة أو المعدية التي يؤدي ترك علاجها غالبا إلى الهلاك أو المضاعفات الشديدة، يصبح فيها العلاج واجبا شرعيا.

أما الأمراض البسيطة التي لا تؤدي للهلاك أو نقل العدوى، فالأمر فيها أوسع، والتداوي فيها مستحب.

لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جدا، وهي أنه لا يجوز لأحد أن يعمم تجربة فردية على الناس جميعا، فكون شخص معين تحسنت حالته بتنظيم الغذاء أو بالأعشاب لا يعني أن هذا يصلح لكل الناس ولكل الأمراض.

ولكن نؤكد مرة أخرى لا يعامل معاملة المنتحر، كما أنه لا يصنف من الكبائر على صورة الانتحار المباشر، وإنما يعد تركا لواجب شرعي يتعلق بحفظ النفس

هناك من يعتبر العلاج بالأعشاب أو تنظيم الغذاء بديلا كاملا للعلاج الطبي.. ما رأيك؟

لابد أن نفرق جيدا بين عدة أمور.

الأصل القديم في التداوي كان قائما على الأعشاب والغذاء الطبيعي، وحتى كثير من الأدوية الحديثة ترجع في أصلها إلى الأعشاب والنباتات.

كما أن تنظيم الغذاء والوقاية أمر مطلوب شرعا، والنبي ﷺ وضع لنا قاعدة عظيمة حين قال"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"، وهذا الحديث أصل عظيم في الوقاية وتنظيم الغذاء ،فكثير من الأمراض التي يعاني منها الناس اليوم سببها سوء التغذية والإفراط في الطعام والشراب.

لذلك نقول إن تنظيم الغذاء والاهتمام بالطعام الصحي والعلاج بالأعشاب في الإطار الطبيعي لا توجد فيه أي مشكلة شرعية، بل قد يكون نافعا جدا.

لكن الأزمة الحقيقية حين يتحول هذا الأمر إلى دعوة لترك العلاج الطبي الحديث تماما، فنحن اليوم نعيش في عصر وصل فيه الطب إلى مراحل متقدمة جدا، وهناك أدوية وعلاجات قائمة على أبحاث وتجارب علمية دقيقة قام بها كبار الأطباء والعلماء والمتخصصين.

فإذا قال الأطباء الثقة إن ترك العلاج الدوائي سيؤدي غالبا إلى الهلاك أو الضرر الشديد، فلا يجوز شرعا تركه والاعتماد فقط على الأعشاب أو الحميات الغذائية.

أما استخدام الأعشاب أو تنظيم الغذاء كعامل مساعد لتحسين الحالة الصحية أو دعم المناعة أو تحسين أداء العلاج، فهذا أمر جيد ومقبول.

 ما حكم من يقنع المرضى بترك الأدوية والاعتماد فقط على نظام غذائي أو أعشاب؟

إذا نصح شخص مريضا بترك العلاج، وكان يعلم أو يغلب على الظن أن ترك العلاج قد يؤدي إلى هلاك المريض أو تدهور حالته، فإنه يتحمل إثما شرعيا.

لأن النصيحة هنا لم تقم على علم يقيني أو تجربة عامة ثابتة، وإنما على حالات فردية لا يجوز تعميمها ،فلو افترضنا أن هناك شخصا أو اثنين أو حتى عشرة تحسنت حالاتهم بطريقة معينة، فهل يجوز تعميم ذلك على آلاف المرضى؟ بالتأكيد لا.

فالقاعدة العلمية والشرعية تقول إن الحكم يكون للأغلب، وليس للحالات الفردية النادرة ،ومن يقدم نصائح للناس دون تخصص أو تثبت علمي، خاصة إذا كان الناس يثقون فيه ويعتبرون كلامه ملزما، ثم ترتب على نصيحته وفاة شخص أو تدهور حالته، فإنه يكون شريكا في الإثم.

 كيف يفرق الناس بين النصيحة الصحية المقبولة وبين الدجل أو التغرير بالمرضى؟

لابد أن يؤمن الناس بالتخصص ،فالذي يتحدث في الطب ينبغي أن يكون طبيبا أو متخصصا أو باحثا لديه دراسات وأبحاث وتجارب علمية موثقة ،أما أن يأخذ شخص معلومات عامة من وسائل التواصل الاجتماعي ثم يبدأ في إصدار نصائح علاجية للناس، فهذا أمر خطير جدا.

والفرق كبير بين أن يكون الإنسان مثقفا ولديه معلومات عامة، وبين أن يتصدر للفتوى أو للعلاج أو للتشخيص دون علم ،لذلك نقول للناس إذا سمعت نصيحة عن الأعشاب أو الغذاء أو العلاج البديل، فارجع أولا إلى طبيبك المتخصص، واسأله عن مدى مناسبة هذا الأمر لحالتك الصحية ،فالطبيب هو القادر على تحديد سبب المرض، وهل يصلح معه هذا النوع من العلاج أم لا.

بعض الأنظمة الغذائية حرمت أطعمة أحلها الله.. فما الحكم الشرعي؟

الأصل في الطعام والشراب الإباحة، وهذه قاعدة شرعية واضحة بنص القرآن الكريم.

قال الله تعالى ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

إذن الأصل في الطعام والشراب الحل، وليس التحريم ،ولا يجوز لأحد أن يحرم شيئا أحله الله بغير دليل شرعي ،حتى النبي ﷺ نفسه عندما قدم له الضب لم يأكله، فلما سئل أحرام هو يا رسول الله؟ قال "لا، ولكنه ليس من طعام قومي"، أي أنه لم يحرمه، وإنما لم يكن معتادا عليه فقط ، فليس من حق أحد أن يقول للناس إن طعاما معينا حرام لمجرد أنه لا يفضله أو لا يناسبه.

كيف يحافظ الإنسان على التوازن بين الإيمان بالله والأخذ بالأسباب؟

التداوي لا يتعارض أبدا مع التوكل على الله ،فالنبي ﷺ نفسه تداوى، وأمر الناس بالتداوي، وقال"تداووا فإن لكل داء دواء" ،والمطلوب من الإنسان أن يأخذ بالأسباب، لكن مع اليقين أن الشافي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ،فنحن لا نترك الأسباب، وفي الوقت نفسه لا نعتقد أن الأسباب تشفي بذاتها ،وسيدنا إبراهيم عليه السلام قال "وإذا مرضت فهو يشفين" ، فنسب المرض لنفسه تأدبا مع الله، ونسب الشفاء إلى الله سبحانه وتعالى.

إذن المسلم يأخذ بالأسباب، ويتناول العلاج، ويذهب للطبيب، لكنه يعتقد بقلبه أن الشفاء من عند الله.

هناك من يظن أن التوكل الحقيقي يعني ترك العلاج.. كيف ترد؟

هذا فهم خاطئ.

النبي ﷺ قال "،لا عدوى ولا طيرة"، لكنه في الوقت نفسه قال وفر من المجذوم فرارك من الأسد" ،وهذا ليس تناقضا، بل تعليم للناس أن العدوى لا تنتقل بذاتها، وإنما بقدر الله، ومع ذلك يجب الأخذ بالأسباب والوقاية ، فالمسلم مأمور بأن يحتاط ويحافظ على نفسه وعلى غيره، ويأخذ بالأسباب التي تحفظ الصحة والحياة.

ما الرسالة التي توجهها للأسر والمرضى الذين يفكرون في ترك العلاج؟

رسالتي للجميع أن نؤمن بالتخصص ،ليس كل شخص يصلح للكلام في كل شيء ، فالشيخ يلتزم بتخصصه، والطبيب يلتزم بتخصصه، والمهندس يلتزم بتخصصه ، ولا يجوز أن يتحول الإنسان لمجرد امتلاكه بعض المعلومات العامة إلى شخص يفتي في الدين أو الطب أو الهندسة ، كما أنني أؤكد أن التداوي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الشرع.

ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والسلامة الصحية والنفسية والاجتماعية لجميع المرضى، وأن يحفظ مصر وأهلها وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة الأمن والعافية.

واختتم الشيخ الدكتور هشام إبراهيم عمار حديثه بالتأكيد على أن حفظ النفس من أعظم المقاصد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، مشددا على أن التداوي يصبح واجبا شرعيا إذا أكد الأطباء المتخصصون أن ترك العلاج يؤدي إلى الهلاك أو الضرر الشديد.

وأوضح أن امتناع المريض عن العلاج رغم حاجته إليه لا يعد انتحارا ولا يدخل في حكم الكبائر المتعلقة بإزهاق النفس عمدا، لكنه يعد إثما شرعيا وتفريطا في حق النفس التي أمر الله بالحفاظ عليها، داعيا الجميع إلى الإيمان بالتخصص، وعدم الانسياق وراء النصائح غير العلمية التي قد تعرض حياة المرضى للخطر، مع التأكيد أن الأخذ بالأسباب والعلاج لا يتعارض أبدا مع التوكل على الله، بل هو من تمام التوكل الصحيح

IMG-20260516-WA0005
IMG-20260516-WA0005