"حمزة كبر علي الميزان".. حكاية أم محمود بائعة الخير الفيومي في شوارع القاهرة
في أحد زوايا شارع الجراج بمنطقة حدائق القبة، تفوح رائحة "الخير الفلاحي" وسط صخب المدينة، هناك تجلس "أم محمود"، سيدة أربعينية بملامح مصرية أصيلة، وأمامها "قوصة" الجبنة القريش والبيض والزبدة، ليست وحدها في هذه الرحلة الشاقة، بل يرافقها رفيق دربها الصغير "حمزة"، طفلها الذي لم يتجاوز سنواته الأولى، والذي تفتح وعيه على الدنيا وهو يجلس بجوار والدته أو حتى فوق ميزان بضاعتها.
وفي إطار سلسلة حلقات "تعبهم تاج" التى ننشرها في مصر تايمز، إذ أن أم محمود بطلة حلقة اليوم.
"أم محمود" ليست مجرد بائعة عابرة، بل هي قصة كفاح تمتد لثماني سنوات. رحلتها تبدأ من محافظة الفيوم، حيث تقطع المسافة إلى القاهرة كل يومين حاملة بضاعتها الطازجة لبيعها لسكان العاصمة، تقول السيدة بابتسامة يملؤها الرضا: "بجيب الجبنة والبيض والعسل من الفيوم وآجي، بقالي 8 سنين على الحال ده، بنزل من صباحية ربنا أسعى وأشقى على أكل عيشي".
الدافع وراء هذا الشقاء اليومي هو الأسرة، الأم لأربعة أبناء (ولدين وبنتين) تصر على تعليمهم رغم قسوة الظروف، ثلاثة منهم في مراحل التعليم المختلفة (إعدادي وابتدائي)، والرابع هو "حمزة" أصغرهم، الذي تصفه مازحة بـ"الراجل بتاعي"، فقد اعتاد الشارع منذ أن كان عمره أسبوعاً واحداً، ليصبح جزءاً من يومياتها الشاقة.
وعن التحديات التي تواجهها في الشارع، تلخص "أم محمود" معاناتها في كلمة واحدة ترعب الباعة الجائلين: “البلدية”، هذا هو الهاجس الذي يؤرق يومها الممتد من السادسة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، إلى جانب ذلك، تواجه شكاوى الزبائن المستمرة من غلاء الأسعار، فترد عليهم بقلب راضٍ: "الناس بتستغلى البيضة والحاجة، بس الأسعار بتعلى وتنزل، والحمد لله ربنا مراضينا".
فلسفة "أم محمود" في الحياة بسيطة وعميقة في آن واحد، تلخصها في رسالة لكل من يشكو ضيق الحال: "اسعوا وسيبوها على الله" تؤمن بأن السعي هو مفتاح الرزق، وأن مشاركة الزوجة لزوجها في تحمل أعباء الحياة واجب لا مفر منه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ورغم سنوات الشقاء، تظل أحلام "أم محمود" متواضعة للغاية، لا تطلب قصوراً ولا أموالاً طائلة، بل يتلخص حلمها في "أربعة جدران" يحمونها من مطاردة البلدية.
تختتم حديثها وعيناها تلمعان بالأمل: "والله ما نفسي غير في حاجة واحدة بس.. حتة محل، عشان استريح من قلق الشارع".





