النائب مصطفى البهي: الصناعة تحتاج وضوحًا في الأولويات ومعالجةً سريعة لمعوقات التشغيل
أكد النائب مصطفى البهي، أمين سر لجنة الصناعة بمجلس النواب، أن الاجتماع الأخير للجنة، بحضور السيدة الدكتورة ناهد يوسف رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، تناول ملفات جوهرية تمس قدرة الصناعة المصرية على التحرك السريع من مرحلة الإعلان عن الأهداف إلى مرحلة التنفيذ المقاس بالأرقام والنتائج.
وأوضح البهي أن اللجنة بدأت من الملف الأكبر، وهو ضرورة تحويل الحديث عن الصناعات ذات الأولوية إلى إطار معلن ومفصل، خاصة أن المعلن رسميًا حتى الآن هو 28 صناعة وفرصة استثمارية واعدة تستهدف جذب الاستثمارات وتعميق التصنيع المحلي وتقليل الواردات، بينما توجد أيضًا 152 فرصة استثمارية تبنتها هيئة التنمية الصناعية، وذكر تقرير الهيئة لعام 2024 أنه جرى تخصيص 531 منشأة صناعية تعمل في 76 فرصة استثمارية من أصل 152. وأضاف أن المطلوب الآن ليس فقط الإعلان عن العناوين، بل بيان المعايير، والضوابط، والحوافز، وما يتفرع عن هذه الصناعات من أنشطة ومكونات وصناعات مغذية، مع مسار مستقل وواضح للصناعات التكنولوجية المعقدة.
وأشار أمين سر اللجنة إلى أن الدولة تعمل وفق استراتيجية وطنية للتنمية الصناعية ترتكز على سبعة ممكنات رئيسية، وليس على “28 محورًا” بالمعنى الفني المنشور رسميًا، وهو ما يقتضي دقة أكبر في الصياغات الرسمية، حتى تبقى الأرقام والمفاهيم منضبطة ومحمية من الالتباس. وأضاف أن اللجنة تنتظر من الحكومة ترجمة هذا الإطار إلى مصفوفة تنفيذية معلنة تربط كل صناعة بأثرها على الواردات، ونسبة المكون المحلي، والأثر التصديري، واحتياجاتها من الأرض والطاقة والمياه والعمالة والتكنولوجيا.
وفيما يتعلق بمنظومة التراخيص، قال البهي إن ما أعلنته هيئة التنمية الصناعية عن قرب الانتهاء من أتمتة الإجراءات وإنشاء ملف موحد مؤرشف لا يتغير رقمه لكل منشأة يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكن اللجنة شددت على أن الفيصل الحقيقي هو الأثر التنفيذي: كم انخفض زمن الترخيص؟ كم تراجعت الطلبات المرتدة؟ وهل أصبح المستثمر يتحرك في مسار إجرائي واحد واضح؟ وأكد أن هذا التوجه يتسق مع قانون الاستثمار وقانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية، اللذين يقومان على التبسيط، وعدم تحميل المستثمر أعباء إجرائية زائدة، واستقرار المراكز القانونية للمشروعات.
وأضاف أن اللجنة ناقشت كذلك مدى توافق عدد الأراضي الصناعية المطروحة مع عدد المصانع المستهدف دخولها الخدمة، مشيرًا إلى أن هذا هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة صناعية: هل يتحول الطرح إلى تشغيل؟ وهل تكفي الأراضي والمرافق والسرعة الإجرائية لتحقيق المستهدفات حتى عام 2030؟ وأكد أن اللجنة طلبت تقارير توضيحية أدق تربط بين التخصيص الفعلي، والتشغيل الفعلي، والمعوقات التي تعطل الانتقال من الأرض إلى المصنع المنتج. وفي هذا السياق، فإن الأرقام الرسمية الخاصة بـ152 فرصة استثمارية و531 منشأة مخصصة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تقترن ببيان واضح عن نسب التشغيل الفعلي والتعثر وأسبابه.
وفي ملف شمال الفيوم ووادي السريرية، شدد البهي على أن اللجنة تعاملت مع الموضوع باعتباره ملفًا استراتيجيًا لا محليًا فقط، لأن هيئة التنمية الصناعية أعلنت من قبل إطلاق مدينتين نسيجيتين متكاملتين في المنطقتين بإجمالي مساحة 11 مليون متر مربع، وتكلفة إنشائية تقارب 27 مليار جنيه، مع مستهدف جذب استثمارات تصل إلى 3.5 مليار دولار، ورفع صادرات القطاع من 2.8 مليار دولار إلى 11.5 مليار دولار سنويًا بحلول 2030. وقال إن أي تأخر في حل مشكلات البنية التحتية، وعلى رأسها المياه، لا يخص موقعًا واحدًا، بل يمس مشروعًا قوميًّا للصناعة والتصدير وفرص العمل في صعيد مصر. 
وأكد أمين سر اللجنة أن ملف الزيارات التفتيشية للمصانع طُرح من زاوية التوازن: لا أحد يطلب إضعاف الرقابة، لكن لا يجوز أيضًا أن تتحول الرقابة إلى عبء إداري متكرر أو متداخل يعطل التشغيل. وأضاف أن السند القانوني الآمن في هذا الملف قائم بالفعل في قانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية ولائحته التنفيذية، اللذين ينظمان المعاينة والمتابعة والتفتيش في إطار لجان مختصة ومعايير فحص وضوابط واضحة، بما يحقق السلامة والانضباط دون إرهاق المستثمر المنتج.
وعن المصانع المتعثرة، أوضح البهي أن اللجنة أولت الملف اهتمامًا خاصًا، ليس فقط من زاوية توفير تمويل، بل من زاوية تصنيف نوع التعثر: هل هو تعثر بنكي؟ أم تعثر إداري؟ أم تعثر تشغيلي؟ أم تعثر مرتبط بالسوق والطاقة واللوجستيات؟ وقال إن ما عُرض على اللجنة بشأن قرب إنشاء صندوق لتمويل وإعادة هيكلة المصانع المتعثرة خطوة تستحق المتابعة الدقيقة، خاصة مع ما نُقل من أن مساهمة الصندوق قد تصل إلى 49% في بعض الحالات، وأن التركيز ينصرف إلى المصانع التي تثبت قدرتها على التعافي، مع استبعاد الحالات التي تعاني اختلالات إدارية جسيمة. وأكد أن اللجنة مهتمة بأن تكون آليات التقييم أشمل من مجرد الميزانيات وقوائم التدفقات النقدية، لتشمل جودة الإدارة، وقابلية السوق، وحالة الأصول، والجدوى التشغيلية، وإمكانات استعادة النشاط خلال فترة معقولة.
وفي ملف التمويل، قال البهي إن اللجنة ناقشت صراحةً ضعف الإقبال على بعض البرامج التمويلية رغم توافر مخصصات لها، لأن التمويل في النهاية يُقاس بجاذبيته الفعلية لا بحجمه النظري. وأوضح أن هذا النقاش لا ينفصل عن سعر الكوريدور الحالي؛ إذ يُظهر البنك المركزي المصري أن سعر عائد الإيداع لليلة واحدة يبلغ 19% وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة يبلغ 20%، وهو ما يفسر جانبًا من تحفظ المستثمرين على التوسع التمويلي في بعض القطاعات، ويجعل من الضروري إعادة النظر في تصميم الأدوات وشروطها حتى تكون أكثر قدرة على تحريك المصانع لا مجرد الإعلان عنها. 
وأشار أمين سر اللجنة كذلك إلى أن قطاعات مثل المنسوجات والأثاث والصناعات المغذية والميكنة الحديثة تواجه ضغوطًا مركبة، من بينها المنافسة الخارجية، والحاجة إلى تدريب أكبر، وفتح أسواق جديدة، وتطوير خطوط التصميم، فضلًا عن الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر على التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة. وأكد أن هذه الظروف تفرض على الحكومة التحرك بسياسة صناعية أكثر مرونة وربطًا بين الصناعة والتصدير والتدريب والحماية الذكية للمنتج المحلي. كما شدد على أهمية تفعيل قانون تفضيل المنتجات المصرية في العقود الحكومية رقم 5 لسنة 2015 المعدل بالقانون رقم 90 لسنة 2018، باعتباره أداة مباشرة لدعم الطلب على المنتج المحلي داخل السوق الحكومية. 
وأضاف البهي أن اللجنة ناقشت أيضًا توحيد مسار إجراءات التصدير وتشجيعه، وتوطين الصناعة في صعيد مصر عبر حوافز أكثر وضوحًا وجاذبية، فضلًا عن دراسة أثر الاستثمار الأجنبي في قطاع المنسوجات ومدى انعكاسه على التصدير وتعميق الصناعة. وأكد أن اللجنة لا تنظر إلى هذه الملفات منفصلة، بل باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة: أرض، ترخيص، مرافق، تمويل، تشغيل، تصدير.
واختتم النائب مصطفى البهي تصريحه قائلًا:
“الرسالة الأساسية من اجتماع اللجنة واضحة: الصناعة لن تتحرك بمجرد إعلان الأهداف، بل عندما تتحول الأولويات إلى قواعد معلنة، والتراخيص إلى مسار سريع ومؤرشف، والتفتيش إلى رقابة منضبطة، والمرافق إلى جاهزية فعلية، والتمويل إلى أداة قابلة للاستخدام. ما نريده هو دولة تقيس الأثر التنفيذي، لا تكتفي بإعلان المبادرات.





