محمود الأبيدي: السكينة الحقيقية هي سكينة الستر التي يمنحها الله لعباده
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن السكينة التي يبحث عنها الإنسان في حياته ليست مجرد هدوء عابر، بل هي هبة ربانية يمنحها الله لعباده حين يوقنون برحمته وسترِه عليهم، موضحًا أن أعظم ما يطمئن القلب أن يدرك الإنسان أنه يعيش في كنف ستر الله تعالى.
وقال الدكتور محمود الأبيدي، خلال حلقة برنامج "سكينة"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، : «بسم الله والحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى والصحب والآل، من كان صدره أوسع للهموم من الفضاء آواه ربه وسكن قلبه بالوحي واليقين. أيها السائر في دروب الحياة، يا من أثقلت كاهلك الصراعات وضاقت عليك الأرض بما رحبت وأرهق قلبك البحث عن أمان لا يزول، هل سألت نفسك يوماً أين ينام الهدوء حين تشتعل الحروب في صدورنا؟ وكيف استطاع الأولون أن يبتسموا وسط المحن؟ إنها السكينة، تلك الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب صار الضيق اتساعاً، والفقر غنى، والوحشة أنساً».
وأضاف عالم وزارة الأوقاف: «هنا في الطريق إلى السكينة نخلع عن أرواحنا أثواب القلق ونهاجر بقلوبنا إلى مرافئ القرآن، ونتعلم من خطى الصحابة والتابعين كيف تبقى المصابيح مضيئة في عواصف هذه الحياة، ونسأل الله أن ينزل سكينته على قلوب لا ترجو أحداً سواه».
وأوضح الدكتور محمود الأبيدي أن السكينة التي يعيشها الإنسان في الحقيقة هي سكينة الستر، قائلاً: «هل تخيلت يوماً ماذا سيحدث لو أن الناس رأوا كل فكرة تدور في رأسك أو كل ذنب ارتكبته في خلوتك؟ إن السكينة التي نعيشها في الحقيقة هي سكينة الستر، فالليلة نكتشف أن اسم الله الستير هو الذي يحفظ الهيبة ويمنحنا الفرصة للعودة دون خجل».
وتابع: «هل جربت يوماً أن تستشعر كثرة العيوب ثم تنظر من حولك فتجد الناس يثنون عليك ويحترمونك؟ ألم تشعر ببرد في قلبك حين أدركت أن الله تعالى غطى القبيح وأظهر الجميل؟ نحن دائماً نقلق من الانكشاف ونخشى أن يعرف الناس الحقيقة المليئة بالضعف، لكن السكينة التي نبحث عنها هي سكينة الستر، أن تدرك أنك لا تعيش في هذه الدنيا ببراحتك بل تعيش في كنف ستر الله».
وأشار إلى أن الله تعالى يعلم خفايا الإنسان كلها، ومع ذلك يظل يستر عباده، مستشهدًا بقوله تعالى: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور»، مبينًا أن السكينة تكمن في أن يعامل العبد ربه وهو يعلم بحاله لكنه يستره ويحب أن يعود إليه.
وقال: «كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: لو أخذت سارقاً لوددت أن يستره الله، ولو أخذت شارباً لوددت أن يستره الله، لأنه كان يدرك أن الستر مفتاح السكينة للمذنب حتى يتوب، كما رُوي عن محمد بن المنكدر من التابعين أنه كان يقول: إن الله ليستر العبد حتى كأنه لا ذنب له».
وأضاف: «وقد تعلمت من أشياخي الدعاء الذي يبعث في النفس طمأنينة عظيمة: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وكانوا يجدون في هذا الدعاء أماناً نفسياً عجيباً».
واستشهد الدكتور محمود الأبيدي بكلام ابن عطاء الله السكندري حين قال: «من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره»، مضيفًا: «فالحمد لمن سترك وليس لمن أكرمك وشكرك، فالستر هو الحجاب الذي لولاه لافتضح العباد».
وأوضح أن الستر نوعان كما يقول العارفون: «ستر عن المعصية للعامة، وستر في المعصية وهو رحمة من الله للعبد ليعود ويتوب»، مؤكدًا أن الستر ليس مجرد إخفاء للذنوب، بل فرصة يمنحها الله للإنسان ليصلح نفسه بعيداً عن أعين الناس.
وأشار إلى أن الشعور بستر الله يبدد القلق ويحول اهتمام الإنسان من تجميل الظاهر أمام الناس إلى تطهير الباطن أمام الله، قائلاً: «حين تشعر أن الله ستير يتبدد القلق، وتتحول الرغبة فيك من تجميل الظاهر للناس إلى تطهير الباطن لرب الناس».
وقدم الدكتور محمود الأبيدي تمريناً عملياً لتحقيق هذا المعنى، قائلاً: «اجلس في مكان خاص وتذكر ذنباً ستره الله عليك ولم يعرفه أحد، ثم استشعر كيف كانت الأرض ستضيق بك لو انكشف هذا السر، ثم قل بقلب منكسر: يا ستار سترتني في الدنيا فلا تفضحني في الآخرة، وتعهد أن تستر غيرك كما ستر الله عليك»، وكذلك «فمن ستر مسلماً ستره الله، والجزاء من جنس العمل».
وأوضح أن علم النفس يؤكد أن الشعور بأن أسرار الإنسان في أمان هو أساس الاستقرار الانفعالي، وأن الخوف من الفضيحة من أكثر أنواع القلق استهلاكاً للطاقة النفسية، مشيراً إلى أن الستر الإلهي يعمل كدرع نفسي يحمي تقدير الإنسان لذاته ويمنحه فرصة إصلاح نفسه دون ضغط اجتماعي.
وقال الدكتور محمود الأبيدي: «السكينة الحقيقية أن تنام وأنت تعلم أن عيوبك مستورة عند ملك الملوك سبحانه وتعالى، فلا تفتخر بذكائك في إخفاء الأخطاء، بل اشكر رحمة الستير التي غطتك، استر تُستر واشكر تسكن، فمن ستر مسلماً ستره الله».





