نصر نوح وبشرى زكريا وملك سليمان.. دروس في يقين الدعاء
أظهر القرآن الكريم لنا أدب الأنبياء عليهم السلام في الحديث مع الله من خلال دعائهم، وكشف عن عمق فهمهم لكيفية التعامل مع الله ومناجاته بكل ثقة في استجابته للدعاء، وبكل إيمان في تدخلاته الإلهية التي تقلب موازين حياتهم إلى الأفضل.
القرآن الكريم مليء بالأدعية النبوية في زمن كل نبي وعلى مر العصور، لكننا سنسلط الضوء على بعض منها لنرى مدى تأثير ذلك على حياتنا اليومية في هذا الزمان الحديث.
تحدث الله عن نوح عليه السلام قائلا: "فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ" (القمر: 10)، عندما اشتد عليه عصيان قومه وتجاهلهم له وهو يصنع السفينة بوحي من الله: "فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.." (المؤمنون: 27).
كان يؤمن ويثق أن تدخل الله سيكون بالنصر والانتصار له، فلم يقل "تدخل" بل قال "انتصر". وكان الانتصار في فناء العالم بالطوفان ونجاته ومن معه من المؤمنين .... هنا تعوض نوح المغلوب عليه السلام بنصر عظيم جعله قائدا لنسل جديد في أرض جديدة، لتبدأ فيها حياة جديدة انحدرت منها البشرية.
ننتقل إلى دعاء آخر، وهو دعاء النبي زكريا عليه السلام عندما كبر في العمر وكانت إمرأته عاقر ولم يرزق بمولود يرثه ويرث نبوته: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" (الأنبياء: 89).
هنا نرى الأدب في الحديث مع الله؛ فزكريا عليه السلام يعلم أن الله هو الرفيق في وحدته إن لم يكن له ذرية، وهو الباقي بعد فناء خلقه، ومع ذلك يطلب بكل ثقة رغم إيمانه بأن الله خير الوارثين .... فاستجاب الله دعاءه ورزقه يحيى عليه السلام، وجعل له ميزة عظيمة إذ لم يجعل له من قبل سميا، وكانت البشرى أن الله هو من سماه بهذا الاسم الجديد على البشرية، وكأنه هدية ومنحة مميزة باسم لم يسمى به أحد قبله، أو لم يجعل له مثيلا أو شبيها في صفاته وفضائله: "يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا" (مريم: 7).
نختم بالملك العظيم والنبي الكريم سليمان عليه السلام، الذي ورث الحكم والملك والنبوة عن والده داود عليه السلام: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ" (النمل: 16).
قال: "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (ص: 35) .... آمن ووثق في الله، ووصفه بالوهاب، وطلب بيقين تام دون خوف من المستحيل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، أي ملكا لا يملك غيره مثله بعده.
فكانت استجابة الله بأن جعله من أعظم ملوك الأرض، وأعطاه ملكا فريدا من نوعه، حيث سخر له الإنس والجن والطير خداما له ورهن إشارته: "..وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ • يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" (سبأ: 12 - 13).
كما سخر الله له الريح لتنقله من بلد إلى آخر بسرعة عظيمة، وكأنها طائرة في عصرنا الحالي، وأعطاه منطق الطير والحيوانات: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ" (سبأ: 12)، "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" (النمل: 16).
وهكذا يعلمنا القرآن أن الدعاء ليس مجرد كلمات، بل هو يقين كامل في قدرة الله على تغيير الأقدار .... فالأنبياء كانوا يدعون الله بثقة عميقة وإيمان صادق، فكانت الاستجابة الإلهية تغير مسار حياتهم .... وفي قصصهم رسالة لنا أن من أحسن التوجه إلى الله صادقا، فتح الله له أبوابا من الخير لم يكن يتوقعها.





