الأحد 08 مارس 2026 الموافق 19 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
توك شو

الدكتور محمد مهنا يروي ملامح طفولته في البحيرة وقيم المجتمع المصري قديماً

السبت 07/مارس/2026 - 10:51 م
 الدكتور محمد مهنا
الدكتور محمد مهنا الأستاذ بجامعة الأزهر

أكد الدكتور محمد مهنا، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن البدايات الأولى في حياة الإنسان تشكل جانبًا مهمًا من شخصيته، مشيرًا إلى أنه وُلد في محافظة البحيرة بمنطقة تُعرف بـ«تفتيش الملك» في دفينة، وهي منطقة كانت تُعد من أملاك الخاصة الملكية في ذلك الوقت، حيث كان والده يعمل هناك. وأضاف أن طفولته لم تكن مليئة بذكريات اللعب بقدر ما ارتبطت بتحمل المسؤولية مبكرًا بعد وفاة والده وهو في الصف الخامس الابتدائي، الأمر الذي جعله يشعر وكأنه أصبح رجلًا ومسؤولًا عن أسرته في سن صغيرة.

 

وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر، خلال حلقة بودكاست "ذكريات"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أنه يتذكر من تلك الفترة أجواء حرب عام 1956، حيث كان أهل القرية يحرصون على إطفاء الأنوار وتغطية النوافذ بطلاء داكن، وكان الناس يجتمعون أمام البيوت لمتابعة الأخبار عبر الراديو، في ظل غياب الكهرباء واعتمادهم على السراج والوسائل البسيطة في الإضاءة. كما يتذكر بساطة الحياة في ذلك الوقت، حيث كان يذهب لشراء احتياجات البيت بمبالغ صغيرة جدًا، فيشتري «بنكلة» شاي و«بنكلة» سكر، وبالباقي خيط، في صورة تعكس طبيعة الحياة البسيطة التي عاشها الناس آنذاك.

 

وأشار الدكتور محمد مهنا إلى أن التعليم في تلك الفترة بدأ من «الكتاب»، حيث كان لكل قرية كتابها، وكان الشيخ الذي يعلمهم القرآن يُعرف بالشيخ رضوان. ولفت إلى أن وفاة والده المبكرة شكلت محطة مفصلية في حياته، إذ وجد نفسه مسؤولًا عن الأسرة، خاصة مع مرض والدته في تلك الفترة، ما دفعه إلى تحمل أعباء كبيرة رغم صغر سنه، فكان يذهب بنفسه إلى مدينة دمنهور لإحضار الطبيب، في وقت كانت فيه وسائل الاتصال نادرة، إذ لم يكن في القرية سوى هاتف واحد.

 

وبيّن أن والده كان له اهتمام بالعلم الشرعي في شبابه، وكان من المجاورين في الأزهر الشريف وتلقى العلم على يد الإمام الشيخ محمود شلتوت، وهو ما عرفه لاحقًا من والدته. أما والدته فكانت مثالًا للأم المصرية التي تجمع بين البساطة والقوة، فرغم أنها لم تكن تجيد القراءة والكتابة، فإنها كانت حريصة على متابعة أبنائها في دراستهم وتشجيعهم على التعلم، وكانت تحفظ بعض سور القرآن والأوراد مثل يس وتبارك.

 

وأضاف أن والدته كانت تسأل أبناءها عما يدرسون وتطلب منهم شرح الدروس لها، حتى وإن كانت لا تقرأ ولا تكتب، ما جعلها تحفظ بعض المعلومات التي كانوا يرددونها أمامها، لدرجة أنها كانت تكرر لاحقًا بعض المعلومات التاريخية التي حفظتها منهم. وروى موقفًا طريفًا حين تلقى اتصالًا من السفارة الفرنسية على هاتف القرية الوحيد، فأخبرته والدته أن المتصلين سألوا عنه، فقالت لهم على طريقتها البسيطة: «أنا ماي ماظر»، في تعبير عفوي يعكس طبيعة بساطتها.

 

وأشار الدكتور محمد مهنا إلى أن والدته كانت تتمنى له الالتحاق بكلية الحقوق، وكانت تقول له إنها «كلية الوزراء»، متأثرة بقريب لهم هو الدكتور علي يونس، أستاذ القانون بجامعة عين شمس، الذي كان قد حصل على الدكتوراه من فرنسا وكان من الأوائل على مستوى مصر في زمانه، وهو ما جعله قدوة في حياته العلمية.

 

وتحدث الأستاذ بجامعة الأزهر عن طبيعة المجتمع المصري في القرى قديمًا، موضحًا أن العلاقات بين الجيران كانت تقوم على التعاون والتكافل، حتى إن القرية كانت تبدو كأنها أسرة واحدة كبيرة، حيث كان الجيران يتعاونون في البناء والزراعة وجني المحاصيل، ويقدم كل منهم المساعدة للآخر دون مقابل.

 

وأكد أن تلك القيم كانت سائدة في العلاقات الاجتماعية، حيث كان احترام الكبير والتعاون بين الناس أمرًا طبيعيًا في الحياة اليومية، موضحًا أن المجتمع كان يقوم على منظومة من القيم والتقاليد التي تحكم العلاقات بين الناس.

 

كما أشار إلى أن التعليم في تلك الفترة كان يجمع بين التربية والتعليم، حيث كان احترام المعلم والأدب داخل المدرسة من القيم الأساسية التي يتعلمها الطلاب، مؤكدًا أن المناهج كانت مناسبة لزمانها، وأن البنية الدينية والأخلاقية كانت تمثل ما يشبه «الفلتر» الذي يقي الشباب من التأثر بالأفكار المختلفة التي كانت منتشرة في تلك المرحلة.

 

وأكد الدكتور محمد مهنا، على أهمية استعادة القيم الأصيلة التي قامت عليها المجتمعات قديمًا، مثل التعاون واحترام الكبير والتكافل بين الناس، معتبرًا أن هذه القيم كانت من أهم عوامل قوة المجتمع وتماسكه.