السبت 07 مارس 2026 الموافق 18 رمضان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
توك شو

كيف تؤثر المعلومات المغلوطة على وعي المجتمع؟.. الدكتورة هبة عاطف تجيب

الجمعة 06/مارس/2026 - 11:10 م
الدكتورة هبة عاطف،
الدكتورة هبة عاطف، أستاذ الإعلام المساعد بالمركز القومي

أكدت الدكتورة هبة عاطف، أستاذ الإعلام المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن ما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى الشائعات هو في الحقيقة جزء من منظومة أوسع تُعرف بالمعلومات المغلوطة، موضحة أن هذا المصطلح يمثل مظلة كبيرة يندرج تحتها عدد من الأنواع مثل الشائعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، مشيرة إلى أن المعلومات المضللة قد تكون معلومات خاطئة يتم بثها عن عمد لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية محددة. 

وأوضحت أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه الأشكال المختلفة من المعلومات المغلوطة لم تعد منفصلة عن بعضها، بل أصبحت تتداخل وتتحول من شكل إلى آخر بسهولة كبيرة، خاصة مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها ما يقرب من 52 مليون مواطن مصري.

 

وأضافت، خلال حلقة برنامج "رؤية"، المذاع على قناة الناس اليوم الجمعة، أن الخبر الكاذب قد يبدأ كشائعة ثم يعاد تداوله مئات المرات حتى يتحول في نظر البعض إلى حقيقة مؤكدة، مشيرة إلى أن القضية لم تعد مجرد شائعات يتداولها الناس بدافع التسلية، وإنما أصبحت ظاهرة معقدة ومؤثرة تمس وعي المجتمعات وأمنها واستقرارها. ولفتت إلى أن استخدام المعلومات المغلوطة ليس أمرًا جديدًا، فقد استُخدمت منذ القدم في الدعاية والحروب النفسية، إلا أن الفارق الجوهري في العصر الحالي هو وجود منصات التواصل الاجتماعي التي منحتها سرعة انتشار غير مسبوقة وتكلفة شبه منعدمة، كما أتاحت لكل فرد أن يكون منتجًا وناشرًا للمعلومة في الوقت نفسه دون المرور عبر بوابات مهنية أو تحريرية كما كان الحال في الإعلام التقليدي.

 

وأشارت إلى أن من أبرز الأمثلة التي كشفت خطورة المعلومات المغلوطة انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، حيث صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد فوزه في مقابلة مع قناة "سي بي إس نيوز" قائلاً: "لو لم أكن أملك حسابات على منصات التواصل الاجتماعي ما كنت هنا الآن"، موضحة أن الدراسات التي تناولت تلك الانتخابات وجدت أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تعزيز الاستقطاب السياسي، كما أضعفت الثقة في العملية الديمقراطية وأثرت في توجهات الرأي العام، خاصة أن نسبة كبيرة من المواطنين الأمريكيين يعتمدون على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار.

 

وأوضحت أن جائحة كورونا في عام 2020 كشفت وجهًا أكثر خطورة للمعلومات المغلوطة، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بالسياسة فقط، بل أصبحت مرتبطة بالصحة والحياة والموت، إذ انتشرت معلومات صحية خاطئة عن طرق الوقاية والعلاج، ما أدى إلى وقوع حالات وفاة نتيجة الاعتماد على معلومات غير صحيحة، ولذلك وصفت منظمة الصحة العالمية الظاهرة بأنها "وباء معلوماتي"، مشيرة إلى أن المعلومات المغلوطة أصبحت تنتشر أحيانًا أسرع من الفيروس نفسه.

وتابعت أن الدراسات تشير إلى أن كثيرًا من الأفراد يعيدون نشر المعلومات المغلوطة لأنها تتوافق مع قناعاتهم المسبقة أو اتجاهاتهم السياسية والاجتماعية، وليس لأنهم يعتقدون بالضرورة أنها معلومات صحيحة، موضحة أن الدافع أحيانًا يكون الرغبة في التأثير أو لفت الانتباه أو الشعور بالمشاركة، وفي أحيان أخرى يكون السبب ضعف التفكير النقدي أو قلة الوعي بكيفية التحقق من المعلومات.

 

وأكدت أن المتلقي اليوم أصبح يمتلك العديد من الأدوات التي تساعده على التحقق من صحة الأخبار والصور والفيديوهات والحسابات على الإنترنت، مثل مواقع البحث العكسي للصور كـ"تين آي" و"جوجل ريفرس إيمدج"، وكذلك أدوات التحقق من الفيديوهات مثل "إنفيد"، إضافة إلى أدوات أخرى مثل "فاكت تشيك إكسبلورر" ومنصات التحقق من المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن وجود هذه الأدوات وحده لا يكفي ما لم يكن لدى المستخدم الوعي والرغبة الحقيقية في استخدامها.

 

وشددت على أن مواجهة المعلومات المغلوطة لا يمكن أن تعتمد فقط على الحذف أو المنع أو العقاب، لأن فلسفة مواقع التواصل الاجتماعي تقوم أساسًا على حرية التعبير والتفاعل، موضحة أن الحل الحقيقي يكمن في بناء مواطن رقمي واعٍ يدرك أن له حرية في التعبير ولكن عليه أيضًا مسؤولية فيما ينشره أو يعيد مشاركته، لأن ما يكتبه أو يشاركه قد يؤثر في الآخرين وربما يسبب ضررًا كبيرًا للمجتمع.

 

وأكدت ضرورة تعزيز التربية الإعلامية والثقافة المعلوماتية داخل المجتمع من خلال إدماجها في التعليم والإعلام وبرامج التوعية العامة، بحيث يتعلم المواطن أن يسأل دائمًا: من قال هذه المعلومة؟ ولماذا قالها؟ وما مصدرها؟ وهل تم التحقق منها أم لا؟ موضحة أن المعركة مع المعلومات المغلوطة هي في الأساس معركة وعي، فكلما زاد وعي المواطن قلت قدرة هذه المعلومات على التأثير فيه، وكلما تحلى الأفراد بالمسؤولية في النشر والمشاركة أصبح كل فرد شريكًا في حماية المجتمع وصناعة الوعي، فإما أن يكون جزءًا من الحل أو جزءًا من المشكلة.

 

وأشارت إلى أن الإسلام حث على التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات، مستشهدة بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"، موضحة أن نشر الشائعة لا يقتصر على ما يسمعه الإنسان أو يقوله بلسانه، بل يشمل أيضًا ما يكتبه أو يشاركه أو حتى ما يضغط عليه بإعجاب أو مشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن كل ذلك يسهم في نشر الخبر.

 

 كما دعت إلى رد الأمور إلى أهلها والتحقق من المعلومات قبل تداولها، مع ضرورة إحسان الظن بالناس وعدم التسرع في تصديق ما قد يسيء إليهم، مستشهدة بقوله تعالى في حادثة الإفك: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين"، مؤكدة أن المسؤولية في الكلمة والكتابة والنشر مسؤولية عظيمة، وأن كل ما يلفظه الإنسان من قول أو كتابة أو مشاركة هو أمر مراقب ومسجل، كما قال الله تعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".