مشكاة رمضان في القاهرة القديمة.. الدكتور عمرو منير يروي حكاية النور والسكينة عبر التاريخ
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن في ليالي رمضان في القاهرة القديمة كان النور يطلع من قلب الزجاج من مشكاة صغيرة معلّقة في محراب جامع، تنور قبل المغرب بدقائق وتعلن للناس أن الليلة بدأت وأن الرحمة تمشي على مهلها بين الحارات، موضحاً أن المشكاة لم تكن مجرد مصباح، بل كانت علامة من علامات رمضان، نور يذكّر الناس أن هذا الشهر ليس صياماً فقط بل سكينة ولمّة وخير.
وأضاف أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأحد، أن المشكوات في العصر المملوكي كانت تاج المساجد، ينفخها الصنايعية من الزجاج الملوّن في ورش بين باب النصر وباب الفتوح، ويقوم النقاشون برسم خطوط مذهّبة ونقوش نباتية دقيقة عليها، وكانت الفتيلة تُوقد بزيت الزيتون فتمنح نوراً دافئاً يلمع على جدران الجوامع الكبيرة، وكانت كل مشكاة لها شخصية خاصة؛ واحدة بلون أزرق يميل للأخضر، وأخرى ذهبية منقوشة، والنور الخارج منها كأنه شعاع رمضان نفسه.
وأشار إلى أنه في ليالي السلطان حسن والرفاعي والمؤيد شيخ كانت المشكوات تتدلّى في صفوف طويلة تصنع ممراً من نور يمر فيه المصلون في طريقهم إلى التراويح، وتمتزج رائحة الزيت الدافئ مع رائحة البخور والبيوت العامرة بطعام الإفطار، موضحاً أن المماليك كانوا يحرصون على إنارة مساجدهم، وكان السلطان يهدي المشكوات الكبيرة للجوامع وكأنها صدقة نور تُعلّق في السماء قبل أن تُعلّق في المسجد.
وأوضح أن خادم جامع الحسين كان يوقد المشكوات قبل الأذان بقليل، وكل مشكاة تشتعل كانت تهدئ القلوب، ويتوهج نورها فوق الزخارف المملوكية فتتحرك الظلال على الجدران كأنها تحكي حكايات القاهرة، مبيناً أنه حتى بعد ظهور الكهرباء ظلت المشكوات رمزاً لرمضان، ورمزاً لليالي التي كانت مملوءة نوراً وطمأنينة، وللمساجد المملوكية المزينة بالزجاج الملوّن.
وتابع أن الصنايعية في السيدة وشارع المعز عادوا اليوم لصناعتها من جديد بالنحاس والزجاج والألوان، بحيث يشعر من يضعها في بيته أن روح رمضان عادت وأن القاهرة المملوكية ما زالت تتنفس نوراً، مؤكداً أن المشكاة ليست مجرد زجاجة تُعلّق، بل هي نور يطمئن القلب ويذكّر الإنسان أن الضوء الحقيقي يخرج من داخل القلب، وأن رمضان في جوهره حكاية بصرية من النور والسكينة والروح.





