ظاهرة «نحن رجال وهم رجال» وفهم التراث.. الدكتور شوقي علام يوضح المنهج العلمي في التعامل مع السنة والتراث
أكد الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية السابق، أنه في زماننا ظهر أناس لا يحفظون شيئًا من حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحفظون أحاديث قليلة ثم يقولون: «نحن رجال وهم رجال»، بل يذهب بعضهم إلى القول إن الإمام البخاري أو الإمام مسلم أو غيرهما من الأئمة ليسوا حجة عليه، وأنه يكتفي بما يجده في القرآن وفق فكره وعقله، موضحًا أن هذه ظاهرة شاعت في الزمن المتأخر وتحتاج إلى ضبط علمي ومنهجي.
وأوضح خلال لقائه ببرنامج "مجلس العلماء"، مع الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر، المذاع على قناة الناس، أن من يردد هذا القول ينبغي أن ينظر أولًا إلى منزلة الأئمة وعلمهم، مستشهدًا بالإمام البخاري الذي جمع صحيحه الذي يضم آلاف الأحاديث بالمكرر، وقد انتقاها من نحو ستمائة ألف حديث، وكان يتوضأ ويصلي ركعتين قبل أن يكتب الحديث، وجعل هذا العمل حجة بينه وبين الله، في دلالة على عظمة هذا الميراث العلمي ودقته ومنهجيته، وأن السنة النبوية ميراث كبير يحتاج إلى رجال يقومون به بعلم وأمانة.
وأشار إلى أن التجديد في العلوم لا يعني هدم التراث، بل هو استنباط منه وبناء عليه، لافتًا إلى جهود علماء الأزهر في تطوير مناهج علوم الحديث، ومن ذلك إدخال علم العلل إلى الدراسة الجامعية بجامعة الأزهر بقرار من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عندما كان رئيسًا للجامعة، بعد طرح الفكرة من كبار أساتذة الحديث، وهو ما أسهم في انتشار هذا العلم من الأزهر إلى ربوع العالم، مؤكدًا أن احترام التراث والتعامل معه يكون بالتبجيل العلمي لا بالتقديس المطلق ولا بالإلغاء.
وبيّن أن علماء الأزهر عبر العصور كانوا نموذجًا في احترام بعضهم بعضًا وعدم التعصب، مع تدريس المذاهب الفقهية الأربعة دون تعصب لمذهب، مما يربي سعة الأفق وحرية الفكر وينبذ التعصب الذي يعد بوابة للتطرف، مشيرًا إلى أن الأئمة أنفسهم قرروا أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وأن تلاميذ الأئمة استدركوا على أئمتهم دون أن يفسد ذلك المودة أو المنهج العلمي، بل ظل الاختلاف في إطار الأدب والعلم.
وشدد على أن المشكلة المعاصرة تتمثل في ترك الأدوات العلمية والقفز المباشر إلى النصوص دون تأهيل، مؤكدًا أن كتب الفقه والمذاهب لم تُبنَ من فراغ بل هي مسنودة إلى أدلة شرعية وإن لم تُذكر تفصيلًا في كل موضع، وأن التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية يحتاج إلى تأهيل علمي ومنهجي، مع إحياء علوم الجدل والمناظرة وآداب الاختلاف، حتى نُخرج جيلاً أفضل من سابقيه، يحترم التراث، وينقد بعلم، ويجمع بين الأصالة والتجديد دون تعصب أو انغلاق.





